الأحد، 17 ديسمبر 2006

ص 46 أدب الرحلات ـ اليابان سنة 1957



طوكيو سنة 1957
مدينة الأحلام

ـــــــــــــــ
اسم الكتاب : مدينة الأحلام
الكاتب : محمود البدوى
الناشر : الدار القومية للطباعة والنشر ط 1963
الصفحات من ص 22 إلى ص 30

ـــــــــــــــــــــ

إن طوكيو مدينـة جميـلة وجمالهـا لايدركه الخيـال ..

إن الخيـال مهما سبح لايمكن أن يصـل إلى حقيقتها الجميـلة ..

إنها المدينـة التى تتضـاءل أمامها كل المـدن وتذهب أمامها كل أحـلام اليقظة التى تدور فى ذهن الإنسـان ..

إن المثل يقول : إن من لم يشاهد البسفور لم ير الجنـة ..

وأصـدق من هـذا أن تقـول : إن من لم يشاهد طوكيـو لم ير شيـئا فى الحيــاة ..
إنهــا مدينــة الحيــاة ..

إنها مدينــة لامثيـل لها ولا شبـيه ..

إنهـا مبنـية على أحـدث طرق المعمـار ، وأجمـل مـا تخـط مدينـة فى الوجـود

***

ولقد ضربها الأمريكان من الجو فى الحرب الأخيرة ، ضربوها بوحشية لاتصدر من شيطان ، دكوها من مراكز الثقل والصناعة فيها وجعلوا قلبها حطاما ، ولكن السواعد القوية أعادت المدينة الشامخة أجمل وأنضر مما كانت ، وعاد قلب طوكيو كأجمل ما رأت العين من أشياء .

إن طوكيو مدينة اجتمع على رسمها كل فنان فى اليابان وكل عقل متفتح فجاءت تحفة المدن . اجتمع هؤلاء الفنانون ليزينوها ويزخرفوها كأنها تصميم هندسى على الورق ، وجاءت الحقيقة أروع من التصميم وأجمل .

وتراهـا فى الليـل ترقص تحت الأنوار الحمراء والخضراء والزرقاء والبنفسجية ، وتسبح تحـت أطواد من البالونات من كل الألوان وكل الأحجام .

وإذا كنت ستعبرها لمجرد ليلة ، فإنك لاتفكر فى النوم ، فحرام على النفس البشرية أن تحرمها كل هذا الجمال ، حرام أن تحرمها ليلة لاتأتى مثلها ليلة فى مدينة على الأرض .

وأنت ترى هذه الأنوار من الجو وأنت معلق بين السحاب ، وعندما تقبل الطائرة الضخمة أرض المطار ، تحس بشىء جديد فى أنوار الإشارة وفى مضخات الحريق والعجلات التى تستقبل الطائرة وهى هابطة على أرض فى نعومة الرخام .

وعندما تخرج بالسيارة إلى المدينة الكبيرة ، تحس بالشىء الذى يروع ويفوق كل تصورات العقل والخيال .

إن سكان طوكيو تسعة ملايين ، وفى هذه المدينة الكبيرة كل ما فى اليابان من جمال .

لقد وضعوا كل شىء فى العاصمة ، جملوها وزينوها وجعلوها تحفة .

وأنت تسبح تحت الأضواء من كل الألوان ، وترى الناس فى الشارع يمضون فى نشاط ، والحوانيت متلألئة ، والسيارات تطلق أقصى أنوارها الكشافة حتى تدخل الفندق .

وعندما تدور مع الباب الدوار تجد نفسك فى مساحة فسيحة وعن يمينك مكتب الاستقبال ، وتحس من روعة المكان والفخامة ، أنك حقا فى عروس المدن على الاطلاق .

وعندما تقف على الطاولة تحت الأنوار القوية ، تسمع الفتيات العاملات يتحدثن فى التليفون وهن فى لباس أزرق من قطعة واحدة ، وفى العنق ياقة ناصعة البياض . وفى الوسط حزام جلدى أحمر ، أدق من الخصر نفسه .

وتختار لنفسك غرفة أوربية بحمام خاص أو غرفة يابانية بحمام مشترك .

وتأخذ المفتاح فى يدك وتجتاز البهو إلى المصاعد ، وتجد صفا من الفتيات أمام المصاعد فى فساتين حمراء قصيرة وفى أقدامهن الصغيرة أحذية من الكاوتش ، وهن متأنقات فى أجمل زينة ، وتتقدم الواحدة وتريها رقم الغرفة ، فتقول برقة :
تفضل فى الدور السادس ..

وفى الدور السادس تجد سربا آخر من الفتيات فى مكتب الاستقبــال ولكـن فى لباس جديد أزرق ، ويستقبلنك بالابتسام ..

وتقدم لهن رقم الغرفة وتمضى معك الفتاة فى البهو الطويل حتى تصل إلى غرفتك ..

وفى الغرفة اليابانية لايوجد سرير ، وإنما حشيات ووسائد على الأرض وتشرب الشاى وأنت مستلق على الأرائك وكذلك تأكل وتشرب وتسمع الغناء الحالم ..

ولا ينقصك فى هذه الغرفة إلا الجيشا ، ولكن الجيشا لاتوجد فى مثل هذا الفندق ، إنها فى مكان آخر ..

والغرفة الأوربية أنيقة بها سرير صغير ودولاب أصغر منه ومكتب عليه تليفون ، ومنضدة صغيرة عليها باقة ورد ، وتجد بجوار التليفون نسخة من الإنجيل ، تجد هذا فى بلاد عباد بوذا ، وعباد شين تو ، وتخلع سترتك وتدخل الحمام فتجد حماما أزرق اللون صغيرا ، وبه كل شىء : الصابون المعطر ، البانيو ، والدش ، والحنفيات بالماء الساخن والبارد فى كل مكان ، وتجد المناشف من كل الأحجام مكوية ومغطاة بأكياس النيلون ، وبعد ثلاث دقائق تأتى حقائبك على عربة صغيرة تدفعها فتيات يلبسن المرايل الحمراء ، وتخجل إذا كانت هناك حقيبة ثقيلة ، وتحاول أن تخرجها بدلهن من العربة ولكنهن يرفضن ويعملن فى رشاقة وسرعة ويضعن الحقائب فى مكانها من الغرفة ثم ينحنين لك مبتسمات فى دماثة ..

وتحاول أن تعطيهن بقشيشا ولكنهن يرفضن بأدب ..

وتسألك الفتاة المكلفة بخدمتك بعد أن ترتب لك كل حاجاتك إن كنت فى حاجة لشىء ، فتدور بعينيك فى الغرفة وترى كل شىء موجودا ، وأخيرا تطلب فنجانا من القهوة ..
هاى : يعنى حاضر ..
وتمضى سريعا ..

وتحمل لك صينية القهوة فتاة أخرى غيرها فى لباس أبيض ، وشعرها أسود مقصوص ، وجمالها الطبيعى يغنى عن كل زينة ، ولكن على الشفة بعض الأحمـر ، وفى الخد مثل عصير الرمان الممزوج بالشهد ..

وتعرف من كثرة من يدخل عليك من بنات أن فى الجناح الواحد أكثر من عشرين فتاة لخدمتك ، ولهن رئيسة تجلس بجوار التليفون ، وتتلقى كل رغبات النـزلاء ..

وإذا نزلت إلى المطعم فى الدور الأرضى لتتعشى ، وجلست بعد العشاء فى " صالة " الفندق إلى ساعة متأخرة من الليل تتحدث مع من تجده هناك ، وترقب الداخلين والخارجين من الباب الدوار ثم أحسست بالنوم وأخذت الطريق إلى غرفتك ، ستجد أن الطاقم كله تغير قبل نصف الليل بساعة ، يصبح جميع الخدم من الغلمان ، حتى عمال المصاعد ، ولباسهم أسمر جميل ، وهم فى غاية السرعة والنشاط ..

ولا يبقى من الفتيات فى الفندق فى أثناء الليل إلا المدلكات اللواتى تدغدغ أناملهن الناعمة فى أخريات الليل العجائز من النـزلاء ..

وتجدهن إذا جلست فى " الصالة " لابسات المعاطف البيضاء فوق الفستان الأسود ومشمرات سواعدهن ، فى طريقهن إلى العمل ..

وفى الساعة السابعة صباحا تسمع صوت الفتيات فى الممرات من جديد وتسمع ضحكهن ينتشر لأنهن سيحملن لك الشاى إلى الفراش وتأخذ حماما ساخنا وباردا وتجد جريدة أخبار اليابان تحت الباب تحمل لك الأخبار دون خوف أو رهبة ..

وتتناول الإفطار سريعا فى قاعة الطعام وتخرج إلى المدينة ، فتجد الناس يتحركون زرافات على الأرصفة إلى مقر عملهم ، الشبان والشابات فى لباس أوربى ..

النساء فى معاطف من الصوف الأزرق أو الرمادى أو " السنجابى " وهن يسرن الخطى وسيقانهن البللورية تبدو من أطراف المعاطف ، وشعرهن الأسود اللامع عار مقصوص ..

والرجـال فى بدلة من سترة وبنطلون ، والسترة أحيانا مفتوحة من الخلف ..

واليابانى ربعه ويمشى بصدره ، وخطوه سريع ..

وإذا وقفت فى محطة شنياش تحصى الف شخص يمر عليك فى كل دقيقة وتهبط أفواج من المترو فوق الأرض والمترو تحت الأرض ، ومن الترام ومن الأتوبيس ومن التاكسى .. وتمضى فى سرعة إلى بغيتها ، وتجد المقاهى والمطاعم قد فتحت أبوابها وصفت موائدها فى استقبال الرواد ..

وتجد الأسعار كلها فى واجهة المطاعم الصغيرة التى تقدم وجبة الافطار بطريقة حديثة وسهلة : فنجانة الشاى موضوعة وعليها 60 ين يعنى ستة قروش ، وكعكة وعليها ثلاثة قروش ، وتفاحة وفوقها خمسة قروش ، وهكذا كل ما فى داخل المحل من طعام موضوع فى الفترينة الخارجـية ، ليشاهده المارة ..

وفى الساعة التاسعة تخف حركة الهابطين من المترو والترام والسيارات والعربات ، وتفتح المحال التجارية والمطاعم الكبيرة أبوابها وتبدأ الحياة فى الشارع ، وإذا تركت محطة شنياش وسرت فى حى جنـزا حى الملاهى والمحال التجارية الكبرى ستجد الملاهى كلها مغلقة وتجد بعد الكوبرى الصغير ، وعلى ناصية الطريق صفا من الفتيات جالسات على الرصيف لمسح أحذية العابرين ..

وإذا تقدمت لواحدة منهن ستقدم لك كرسيا صغيرا لتجلس عليه وتضع قدمك على الصندوق وتأخذ فى العمل ..

وتعجب أنها تمسح الحذاء ، بعشرات من " الفرش " الصغيرة والكبيرة بعناية ورشاقة ، وإذا كانت تعرف الإنجليـزية تحادثت معك فى كل شىء حتى عن الإقمار الصناعية ، وإذا لم تكن تعرف اكتفت بالابتسامة والإشارة ..
وتعطيها ثلاثين ين ، يعنى " ثلاثة قروش " وهذا هو السعر ، وخمسة قروش إذا أجزلت لها العطاء ..

***

وتمشى فى المدينة ، إن مدينة طوكيو مدينة متناهية فى الضخامة يمشى فيها التاكسى بالسرعة الخاطفة ساعتين وثلاث ساعات ..

وهى مزدحمة بالسكان إذا قستها بالعواصم الأخرى ، ففى طوكيو يسكن 31 ألفا فى كل كيلو متر مربع ، وفى نيـويورك 21 ألفا فى كل كيلو متر مربع ، وفى لندن 12 ألفا فقط فى كل كيلو متر مربع ..

فطوكيو متناهية فى الزحام ..

وهذه المدينة مع ضخامتها ليس بها أسماء للشوارع على الإطلاق ، وإنما معروفة بالأحياء : حى جنـزا ، وحى كنشاسى ، وحى تاموزا شوين ، وفندق دانيشى مثلا لايوجد شارع تعرفه به ، وإنما هو بجوار محطة شنباش هى محطة صغيرة للمترو ..

على حين أن فندق دانيشى به 626 غرفة ، وعندما دخل الأمريكان المدينة وضعوا أرقاما على الشوارع : الشارع 54 والشارع 86 بطريقتهم ولكن اليابانيين لايعترفون بهذه الأرقام ، ولايستعملونها قط ..

وطوكيو بها عمارات شاهقة لامثيل لها فى الضخامة والارتفاع والنوافذ كلها زجاجية مكشوفة ، فإذا انطلقت بداخلها الأنوار فى الليل تصبح العمارة قطعة من الشهب ..

وترتفع العمارات إلى أربعين طابقا ، وكلها مبنية على أحدث طرق المعمار والبنوك والشركات كلها مكشوفة لمن يدخلها ، فإذا كنت فى بهو الشركة استطعت أن ترى كل الموظفين أمامك على المكاتب من وراء حوائط البللور ..

وإذا وقفت على ناصية أى شارع فى قلب طوكيو ، تروعك حركة السيارات فى الطريق ، إنها مروعة ، ويخيل إليك من كثرتها أن لكل عشرين شخصا سيارة فى المدينة ..

واليابان تصنع كل أنواع السيارات من السيارة الصغيرة ذات المقاعد الثلاثة إلى الأتوبيس الذى يسع ثمانين راكبا ، ومع هذا فيها كثير من السيارات الألمانية والأمريكية ..

وفى الليل تطلق هذه السيارات كل أنوارها القوية ، هذا هو النظام ، فليس هناك درجتان للإضاءة فى الطريق ..

وإذا عبرت الشارع وسط هذا العاصف من السيارات ستقتل حتما ويضعك عزرائيل فى قائمة الشهداء ..

إن شبكة المواصلات فى مدينة طوكيو عظيمة ، فالراكب لاينتظر أتوبيس فى المحطة أكثر من دقيقة واحدة ، فى كل دقيقة فى شارع جنـزا الفاخر تمر سيارة ، تقف على مستوى الرصيف تماما ، وفى مثل ارتفاعه فتخطو إليها ، كأنك نازل فى يخت ، ثم تغلق الكمسارية الجميلة الباب الأتوماتيكى ، فلايوجد سلم للسيارة ولا أحد يقف على السلم ، وكل الأتوبيسات فى طوكيو ، الكمسارى فيها أنثى تستقبلك على الباب بابتسامة ووداعة ، وهى فى لباس أزرق وفى أزرار صفراء لامعة ، وشعرها تعقده على طريقتها ، واليابانية أقدر امرأة فى العالم على تصفيف الشعر ، وعندما تجلس على الكرسى القطيفة ، أو الكرسى الجلدى تنسى الكمسارية وتنظر إلى الترام الذى يسير بجوارك وترى " الكمساري " فيه رجلا وكذلك كل ترام يمر ..

وإذا كنت تحب الصوت الناعم ، فانك ستختار الأتوبيس فى كل جولاتك فى طوكيو ..
=====================
نشرت بمجلة الجيل المصرية بعددها رقم 333 فى 1958 تحت عنوان " طوكيو مدينة الأحلام " وأعيد نشرها فى كتاب " مدينة الأحلام " الصادر عن الدار القومية للطباعة الصفحات من 22 وحتى صفحة 30 وجزء منها نشر فى مقدمة كتاب " قصص من اليابان لمحمود البدوى " الصادر عن مكتبة مصر 2001 من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى
=================================
والقصص التى استوحاها البدوى من اليابان منشورة على الرابط
* قصة " الصورة الناقصة " ونشرت فى صحيفة الشعب المصرية
* قصة " الحقيبة " ونشرت بصحيفة الشعب المصرية
* قصة " الجرس " ونشرت بصحيفة الشعب
* قصة " حكاية من طوكيو " ونشرت بمجلة الجيل
* قصة " اللؤلؤة " ونشرت بصحيفة المساء
* قصة " الدليل " ونشرت بمجلة الجيل
* قصة " فتاة من جنزا " ونشرت بمجلة آخر ساعة
* قصة " الليل والنهار " ونشرت بمجلة آخر ساعة
* قصة " وقفة فى جنزا " ونشرت بصحيفة التعاون
* قصة " سأصنع له تمثالا " ونشرت بمجلة روز اليوسف
* قصة " التفاحة " ونشرت بمجلة القصة اكتوبر
* قصة " ليلة فى طوكيو " ونشرت بصحيفة أخبار اليوم
=================================
نشر المقال فى مجلة الجيل المصرية العدد 333 فى 12 /5/ 1958


طوكيو .. مدينة الجمال


" إن طوكيو مدينة جميلة وجمالها نادر المثال ، وليس هذا لأن فيها أجمل النساء ، فإن أجمل النساء فى العالم فى مدينة بوخارست ، أو لأن بها ناطحات السحاب ، فإن أعظم ناطحات سحاب فى العالم فى مدينة نيويورك ، أو لأن مناظرها الطبيعية خلابة ، فإن أجمل المناظر الطبيعية التى يمكن أن يشاهدها الإنسان فى سويسرا وفى ريف النمسا .
إن طوكيو جميلة لأن روحها جميلة ..

إنها تستقبلك فاتحة لك ذراعيها وتضمك فى حنان ، ليس فيها شىء منفر على الاطلاق .

إن المتاعب التى تلاقيها فى المطار تنساها بعد لحظة بمجرد أن تتنفس هواء المدينة لأنك تعرف أن سببها هو الاحتلال الأمريكى ، إنهم يبحثون عن السجاير والويسكى فى كل حقيبة من حقائب المسافرين ، ولكن بعد أن يدور السلم الكهربى بالحقائب ، وتقف أنت تحت خريطة طوكيو المضيئة تشرب الشاى ، أو تتحدث فى التليفون ، أو ترسل برقية إلى العالم الخارجى ، تدرك أنك فى مدينة عظيمة وكل من فيها يحبك ..

إن أهلها فى منتهى الأدب ومنتهى السماحة ومنتهى اللطف ، إنك تدخل إلى مشرب لتتناول شيئا أو تستريح قليلا فترى صاحبه ينحنى لك فى أدب وكذلك الجرسون ، وكذلك كل شخص تلاقيه وتحادثه .

وإذا سرت فى الشارع يصبح مألوفا لديك أن ترى رجلين قد أوقف كل منهما سيارته فى جانب الطريق وأخذا ينحنيان لبعض ، وتعرف أن رفرف أحدهما لمس رفرف الآخر لمسة خفيفة ، وهذه هى طريقة الاعتذار ..

وترى سيدة صغيرة تقف أمام سيدة أكبر منها ، وتنحنى لها فى خشوع ورقة عدة مرات ، وتعرف أن هذه هى التحية المألوفة من السيدة الصغيرة للكبيرة فى اليابان ..

وإذا ركبت السيارة أو الترام ، وسبقك شخص إلى الركوب ، وشعر بخطئه ، فإنه ينحنى ويظل يعتذر لك ، وسائق " التاكسى " يشكرك بأدب بعد " المشوار " ولابد أن تشكره أيضا ، وكمسارى الترام ، وكمسارية الأتوبيس .. يتلقى منك ثمن التذكرة بأدب وانحناء ، وإذا سألته عن محطة لا تعرفها وعرف أنك غريب خصص نفسه لخدمتك ، وأظهر لك كل سجايا بلاده الحميدة ، وهذا الأدب واللطف فى المعاملة تراهما فى كل خطوة ..

***

وإذا سرت فى الشارع بعد الساعة التاسعة صباحا لتستعرض الحوانيت والمارة فإنك ستجد فى الحوانيت الأناقة والتخصص .. فهذا محل يبيع أحذية السيدات فقط ، وهذا يبيع الولاعات ، وهذا يبيع مراوح اليد الناعمة ، وهذا يبيع الحرير ، وهذا يبيع الحقائب ، وستجد النظافة التامة ، والنظام ، وحسن العرض ، والرقة فى معاملة العميل ، وعدم اللهفة فى البيع ، وستجد أن جميع المحال تتخذ الطريقة الأوربية والأمريكية فى العرض ، وتدخل المحل وتجد كل شىء تحت نظرك محدود السعر ، فإذا أخترت شيئا لفته لك البائعة فى ورق جميل ناعم ، وانحنت وهى تسلمه لك وابتسمت ..

والعمال فى هذه المحال من الشبان والشابات ، ولكن الغالبية من الجنس الناعم ..

وفى شارع جنزا ثلاثة محال تجارية كبيرة ، فيها كل شىء وهى تغنيك عن أية جولة أخرى فى المدينة بقصد التسوق ، وهى من ثمانية وتسعة أدوار ..

وتصعد إلى الأدوار العليا بالمصاعد والسلالم الكهربية ، وهى محال فخمة كبيرة أروع من محال هونج كونج وأفخم ، وهى منسقة تنسيقا رائعا وتدخل وكأنك تدخل مدينة عامرة بمختلف الأصناف والسلع ، وفى هذه المحال كل ما تنتجه اليابان ، وكل ما يأتى من الخارج ..

وتجد البائعات فى زى واحد جميل ، وكثير منهن يعرف الإنجليزية والتى تريك البضاعة هى التى تأخذ منك الثمن وهى التى تلفها لك ، ويتم هذا فى سرعة وخفة فى الحركة والعمل ، وإذا وجدتك مترددا فى الاختيار ..

قالت لك فى رقة :
ـ شرفنا بعد الظهر ستجد أصنافا جديدة ..

وبعد أن تصعد كل هذه الأدوار العليا ، وتجول هذه الجولة الطويلة فى المتجر ستحس بالجوع ، ويمكنك أن تتغدى فى الطابق التاسع فهناك مطعم كبير من الطعام الأوربى ، والطعام اليابانى ، ولا يكلفك الغداء أكثر من ستين قرشا ..

وبعد الغداء تترك السلم الكهربى وأنت نازل ، وتتجه إلى المصعد لأنه أسرع ، وتدخل المصعد ، وبعد أن تغلق الفتاة الباب تسمعها تتحدث ويخيل إليك أنها تحادث نفسها ، ولكنها تكون فى الواقع ترد على النداءات فى الطوابق الأخرى ..
ـ إننى مشغولة ..
ـ سأقف فى الدور الرابع ..
ـ المصعد ممتلىء ..
ـ عندنا مكان لسبعة من الركاب فقط ..
ـ بتكلمى مين يا بنت ..
قالها بدران الضاحك بالعربية ..
فردت عليه بعينيها ..
ـ مش بكلمك ..
وضحكنا ..

وإذا كانت معك أكثر من ربطة ، وتريد أن تتخلص منها فى سهولة ، فإنك تتجه إلى إحدى العاملات بجانب الباب الخارجى ، وتترك لها اسمك وعنوانك فتصل هذه الأشياء إلى غرفتك فى الفندق بعد ساعة دون أى أجر ..

وتخرج إلى الشارع خفيفا ودون معطف ، لأن الجو دافىء فى النهار حتى فى الأسبوع الأول من ديسمبر ، وأنت لاتحس بالبرد ولا بالهواء القارس ، وإنما تحس أن الجو يدفعك إلى النشاط والحركة ، ولذلك لاتعجب وأنت ترى سكان طوكيو يسرعون فى المشى وفى كل عمل يؤدونه ..

والمدينة فى حركة مستمرة من السادسة صباحا ولا تنام أبدا فى ليل ولا فى نهار ، وعندما تغلق المتاجر والمطاعم والمقاهى الصغيرة تسهر الكباريهات إلى الصباح ..

وتستريح المدينة ساعة واحدة فى بكرة الصباح وهى التى يعمل فيها الكناسون ..

وقد ينزل المطر فى أى وقت حتى والشمس ساطعة ، ولكن المطر لا تأثير له على عمل الناس ولا على حركة المواصلات فى المدينة ، فشوارع طوكيو كلها مرصوفة بالبلاط الصغير والكبير ، ونظيفة فى كل ساعات النهار والليل ، والمدينة الضخمة لايمكن أن تعثر فيها على ورقة صغيرة ملقاة فى عرض الطريق ، والأشجار الصغيرة مغروسة على الجانبين ، والأزهار والورود الجميلة تراها فى كل مكان ، وعلى الأخص فى الضواحى ، لأن اليابانيين يعشقون الورود ..

وفى الساعة الحادية عشرة تشتد الحركة فى الشوارع ، وتبلغ المدينة مداها فى الحركة ، وتحس وأنت سائر فى الطريق أن اليابانى يقلد الأمريكى والأوربى فى زيه وفى انتاجه وقد يبزه ، على خلاف الصينى الذى يحب أن يحتفظ بكل طابعه وكل خصائصه ولا يقلد أحدا ..

***

والرجل اليابانى ، يرتدى البدلة على أحدث طرق التفصيل الأوربية والأمريكية ، وإذا اشتد البرد يضع فوقها المعطف ..

ولا يمكن أن تعثر الآن على رجل يابانى فى شوارع طوكيو .. يرتدى الزى اليابانى القديم ..

أما المرأة فترتدى الزى الأوربى والأمريكى عارية الرأس وترتدى زى اليابان الخالص الكومينو ، وفوق رأسها القبعة اليابانية العريضة ..

والأغلبية الكبرى من النساء ترتدى الزى الأوربى فى أناقة تامة ..

والمرأة اليابانية تسرف فى التجميل ، وفى الزينة .. وبيوت التجميل تراها بكثرة فى شوارع طوكيو ، ولكن بعض اللواتى يتجملن فى هذه البيوت هن من السائحات ..

واليابانية تتجمل فى بيتها ببراعة وصنعة ، وتساعدها بشرتها الناعمة على هذه الزينة التى أصبحت من لوازمها ، ومن طباعها ، حتى الفتيات الصغيرات فى المطاعم ، والمحال التجارية تراهن فى حفل من الزينة ..

والفتاة الحديثة فى طوكيو تقص شعرها وترتدى أحدث الأزياء الأوربية ، وتعرف لغة أجنبية ، وتفضل الزواج ، وهى صغيرة على التعليم العالى ، فإن نسبة التعليم الجامعى فى اليابان للبنات لا تتجاوز 7%

والمرأة اليابانية أحسن زوجة فى العالم ، وهى تتفانى فى خدمة الرجل والعمل فى البيت ، وتتحمل فى صبر عجيب كل ثورات الرجل وحماقاته ..

فالرجل اليابانى يسرف فى شرب " الساكى " وهو شراب وطنى يستخلص من الأرز ويوضع فى أوان خزفية ، ويشرب ساخنا فى أقداح صغيرة ، وهو شديد المفعول ..

واليابانى يشربه بكثرة ، ويفقد وعيه ، وتكون كل تصرفاته حمقاء ، ومع هذا لا تضيق به زوجته ، حتى إذا اتخذ من فتاة " الجيشا " خليلة فإنها تعرف أن هذه نزوة عارضة وأنه سيعود إليها ، وحتى إذا كانت تعرف أنه يذهب إلى بيوت البغاء الوطنية ، فإنه فى طوكيو وحدها 70 الف بغى ، وغالبية الذين يترددون على بيوت البغاء من المتزوجين ..

والفتاة فى اليابان تعمل من الثانية عشرة فى كل الأعمال الصغيرة وأجرها بسيط ، ولكنها إذا تزوجت فى سن العشرين ووجدت أن أجر زوجها يكفيها قعدت فى البيت ، فإنها تحب البيت جدا ، ولهذا تنسقه وتملؤه بالزهور ، وتحب أن يكون جو البيت كله هادئا ، وتشغل نفسها بتربية الأطفال وبخدمة البيت ..

فإذا عجز زوجها فى أى وقت عن الانفاق ، خرجت إلى العمل ، وتراها فى هذه الحالة قادرة على مزاولة كل حرفة ..

وفى طوكيو تشاهد الفتاة اليابانية الأرستقراطية الأصيلة تقود السيارة الفخمة وحدها ، ولا أحد يركب بجانبها ، وقد تكون مرتدية البنطلون ولكنها لا تدخن ..

وإذا دخلت مشربا فإنها لا تشرب الخمر ، وإذا شربت لا يكون الشراب عن رغبة فى نفسها ، وإنما مجاملة لك ..

وهذه الظاهرة تراها فى كل طوكيو ، حتى الفتاة التى تعمل فى الكباريه فإنها لاتحب الخمر ..

***

وإذا سرت فى الشارع وقت العصر ، بعد جولتك فى المحال التجارية فإنك تشاهد الجنود الأمريكيين والفتيات الأمريكيات .. ولكن اليابانيين لا يحبون الاختلاط بهم ..

واليابانى بطبعه لا يحب الاختلاط بالأجانب ، فالأجانب فى اليابان ، بصرف النظر عن جنود الاحتلال الذين كانوا يحتلون أماكن من طوكيو ومن غيرها ، لا يتعدون بضعة آلاف من الألمان والجنسيات الأخرى ..

***

وتشعر وأنت تسير فى الطريق بهزة ، وتتذكر ما قرأته عن كثرة الزلازل فى طوكيو .. إن المدينة يحدث بها ثلاثة وأربعة زلازل فى اليوم الواحد وقد تشعر بها وقد لاتشعر بها ، ولكنه شىء عادى ومألوف وأنت تنظر إلى العمارات الشاهقة الضخمة بنوافذها البلورية ، وتعجب ، ولكنهم لا يتعجبون مثلك ، وإذا حطمتها الزلازل سيبنون غيرها بسرعة ، إن قلب العاصمة يجب أن يكون هكذا ، ولكن البيوت فى أطراف المدينة من طابق واحد ومن طابقين بسبب الزلازل وكثرتها ومباغتتها ، وقد يكون بسبب الزلازل وتوقع الموت فى كل لحظة ، إن اليابانى يسرف فى الشراب ، وأن المدينة تظل ساهرة إلى الصباح ..

وإذا شعرت بالصداع ، قد يكون سببه التفكير فى الزلازل ، وشعرت بهزة أخرى وكانت قوية ، وتلفت فوجدت مقهى صغيرا ، على قيد خطوات منى فدخلت وجلست قريبا من الباب ..

ولم ألاحظ وأنا داخل أن هناك فتاة فتحت لى الباب وانحنت لى مرحبة وأن هناك فتاة أخرى جالسة على البنك رحبت بى أيضا بكلمات خرجت من شفتيها ، ولما جلست أدركت ما حدث ، وكان المقهى عبارة عن مكان صغير جدا من ثلاثة طوابق من الخشب المزخرف ، ومن هذه الطوابق الثلاثة طابق فى جوف الأرض ، وكانت المقاعد مريحة مغطاة بالقطيفة والجلد وعليها الحشيات ، والمناضد صغيرة واطئة وعليها الزهور وكان المكان كله مزخرفا ، وأينما نظرت وجدت رسما ، أو ستارة أنيقة ..

وبعد أن جلست بعدة دقائق جاءت إلىََّ فتاة تحمل إلىَ " فوطة " صغيرة يتصاعد منها البخار ، فمسحت بها وجهى ويدى ..

إن هذه الفوطة ، تقدم لك فى كل مكان فى الصين ، واليابان إذا دخلت أى مطعم أو مقهى ، وحتى عند الحلاق ، وشعرت بالراحة ..

ولكننى قلت للفتاة :
ـ لقد شعرت بالزلزال ..
فضحكت وقالت :
ـ تعال .. اجلس هنا واسترح ..
وغيرت مكانى ، واسترخيت على " كنبة " طويلة ..

كان فى هذا المكان الصغير حوالى 12 فتاة للخدمة ، وأربعة أو خمسة من الرواد ، ولا يمكن أن تسمع مع صغر المكان همسة ، وكان المقهى مكيف الهواء وبه جرامافون يرسل موسيقى حالمة يابانية وأوربية ..

وكنا بالنهار ، ولكنه كان مضاء بالقناديل الخفيفة الضوء ، لأن الستائر تحجب كل الأنوار الطبيعية الآتية من الخارج ..

ولا يوجد فى هذا المكان خمر لأنها قهوة صغيرة فقط cofee
ويمكنك أن تشرب فيها الشاى ، والقهوة ، والكاكاو ، والكوكاكولا ، وتجلس لتريح أعصابك ..

ومثل هذه المقاهى الصغيرة الحالمة كثيرة فى طوكيو ، وروادها فى الصباح كثيرون . وفنجانة القهوة أو الشاى بخمسة قروش ، والفتيات العاملات فى هذه المقاهى يرتدين الزى الأوربى ، وكل فتاة حرة فى اختيار الزى الذى يناسبها ، وهن دائما يرفضن البقشيش ، ومعظمهن يعرف الإنجليزية لا لأنهن يختلطن بالأجانب ، بل لأنهن تعلمنها فى المدارس ..

وسألتنى الفتاة :
ـ هل استرحت ..؟
ـ بعض الشىء ..
ـ إذا كنت لاتزال تشعر بالتعب أذهب إلى حمام تركى ..
واعتدلت فى جلستى ، ونظرت إليها فأنا أعرف أن هذه الحمامات مشهورة فى طوكيو ..

وسألتها :
ـ هل يوجد حمام قريب من هنا ..؟
ـ عشر دقائق بالتاكسى ، وسأكتب لك العنوان باليابانية لأن معظم السواقين لا يعرفون لغات أجنبية ..
وكتبت لى العنوان ، وأعطيته لسائق التاكسى فأسرع بى ..

والتاكسى فى طوكيو رخيص جدا فإنه يأخذ منك 70 ين ( سبعة قروش للكيلو مترين الأولين ، ثم ( 20 ين ) قرشين عن كل 570 مترا بعد ذلك ، وحمامات البخار فى طوكيو مشهورة ، وبطوكيو 25 حماما منها ، وهى حمامات أنيقة ونظيفة وبها كل العدد والآلات الحديثة لإزالة الشحم من الأجسام ، وتخليص الجسم من السموم بإفرازات العرق ..

وبقوم بالخدمة فى الحمام فتيات فى سن العشرين ، وكل حمام ينافس جاره فى جلب أجمل الفتيات فى المدينة ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال فى مجلة الجيل المصرية العدد 333 فى 12 /5/ 1958 وأعيد نشره فى كتاب " مدينة الأحلام " الصادر عن الدار القومية للطباعة والنشر فى عام 1963 الصفحات من رقم 31 إلى صفحة 40
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ليست هناك تعليقات: