الاثنين، 18 ديسمبر، 2006

ص 52 القصة الحقيقية وراء قصة الأعمى


* يقول محمود البدوى فى مجلة القصة فى عددها رقم 41 ـ يوليو 1984


قصة القصة
الأعمى


اعتدت وأنا صغير أن أصلى الفجر فى مسجد الخطباء بالقرية وكان يقع فى الطرف الشمالى من حدودها وحوله البساتين وعلى إمتداد البصر المزارع ..

وهو طيب الهواء فى الصيف والشتاء ، وفى الصيف على الأخص ، لأن أثره ولفحه يمتد فى الصعيد ..

وفى هذا المسجد كان الكتاب الذى تعلمت فيه القراءة والكتابة ، وحفظ آيات من القرآن الكريم ، وكان المعلم من أسرة الخطيب الذى سمى باسمها المسجد ..

وفى هذا المسجد بئر إشتهرت بمائها العذب ، فتحولت اليها نساء القرية يملأن منها جرارهن ، ويفضلن ماءها الصافى عن كل ماء ، مع أن القرية تقع على شاطئ النيل ، وينطح ماء الفيضان ( قبل عمل السد ) جدرانها وبيوتها ..

ولكن لكل ماء عند هاتيك النسوة .. وكن يأتين إلى بئر المسجد فى صحوة الفجر ويفضلنها على عتمة الليل ..

وكان يعمل على البئر " ملا " اسمه " سيد " مربوع الجسد كأنه صب صبا .. لا يكل ولا يمل وهو يحرك الدلو .. دون أن يراه .. إمتلأ أم خرج فارغاً .. وحسبه صوت الماء ..

وكان جميل الصوت قويه ولهذا كان يؤذن الفجر فى المسجد .. وإذا جاءت النسوة إلى منطقة البئر فى ساعة الفجر لا يجدن سواه قائما .. فيداعبنه لأنه أعمى ومكسور الخاطر .. ويجد هو فى هذه الدعابة سلواه الوحيدة وأنيسه ، وينشط لمساعدتهن ويحمل عنهن الجرار الثقيلة إلى أن تستوى فى وضع هندسى على رؤوسهن ..

ومن عادة الصبايا منهن اللواتى يتهن بجمالهن وصباهن ، أن يشمرن ويكشفن عن سيقانهن وخلاخيلهن ليغسلنها قبل حمل الجرار والعودة إلى البيت ..

وأحس " سيد " بواحدة منهن تفعل ذلك كعادتها :
ـ عيب تشمرى وأمامك رجل يا صبية ..؟
ـ هو أنت شايفنى ..؟!
ـ شايفك يا سنية ..!
ـ وكمان عارف اسمى .. دا أنت داهية مسيحة ..
ـ عارف اسمك .. ولونك .. وطولك وعرضك ..!
ـ طيب لابسه إيه ..؟
ـ جلابيـة زرقة مطفية وفى عنقك كردان أصفر .. والطرحة مطوية ..
ـ أنت داهيـة وبيقولوا عليك أعمى .. هو المفتح حيشوف إيه أكثر ..

***

وحملت سنية جرتها بعد أن غسلت ساقيها وخلخالها ..

وشعر " سيد " الملا على البئر بأنها فرغت من ذلك ..
فسألها :
ـ أنت مروحة ..؟
ـ أيوه ..
ـ مروح معاك ..
ـ خلصت ..؟!
ـ خلصت والنور طلع ..!

وسارا .. والنور يشعشع .. وتخطا .. بساتين النخيل والسنط .. ودخلا فى المزارع .. وأحسا بالنسيم يداعب أوراق الذرة .. فى جانب الطريق .. واعترضهما " فحل " والفحل بلغة الصعيد قناة واسعة فى قلب الحقل ..

وقال "سيد " " لسنية " قبل أن يعبرا " الفحل " ..
ـ عنك الجرة ..
وأنزلتها .. وأمسك بيدها وأمسكت بيده .. وشعر بريح تشتد وبعاصفة تلفه ..
ـ مالك ..؟!
ـ لا شىء ..!
ـ لونك تغير ..!
ـ قلت لك لا شىء ..
بعصبية ..
وحمل لها الجرة وعبر بها " الفحل " ..

وعلى رأس الطريق قال لها بنبرة غريبة :
ـ روحى .. ياسنية وأنا راجع ..
ـ راجع ..؟!
ـ راجع للمسجد نسيت حاجة ..
وانصرف مهرولا دون عكاز ..

***

ومرت سنوات طويلة .. وأصبحت أعمل فى لاظوغلى .. وأسكن فى الحلمية الجديدة ..

ومن لاظوغلى إلى البيت .. كنت أتخذ طريقا يبعد بى عن ميدان السيدة ..

فأمشى من " الحنفى " .. إلى حارة قوارير .. وحوارى أخرى كثيرة ظليلة نظيفة " فى وقتها " منعشة الهواء ، تساعد على المشى والتأمل ، لهدوئها وسكون الحركة فيها ..

ومن هذه الحوارى الظليلة أخرج إلى شارع الخليج ومنه أتجه إلى شارع قدرى والحلمية الجديدة ..

وذات عصر وأنا أتجه إلى بيتى وأسير فى نفس الطريق سمعت مؤذنا فى جامع يؤذن لصلاة العصر .. ذكرنى صوته بصوت " سيد " الملا فى جامع القرية ..

وأخذ ذهنى بعدها يشتعل ويعمـل بسرعة .. وتفتحت أمامى السبل .. لتكوين قصة ..

وكلما مررت فى نفس الطريق كونت واسترجعت الصورة التى كانت لاتزال حية ، بكل نبضها وحرارتها ..

وأكملت قصة " الأعمى " فى سبعة عشر يوما .. وشعرت بعد انجازها براحة كبرى لم أشعر بمثلها فى قصة ..

ونشرت هذه القصة .. فى مجلة " الرسالة " لأستاذنا العظيم الزيات وفى مجلة " صوت الإسلام " .. التى كان يصدرها الأستاذ محمـد على غريب .. وفى كتاب " رجل " طبع المطبعة الرحمانية بالخرنفش ..

وفى كتاب " الذئاب الجائعة " طبع مكتبة مصر وطبع الدار القومية للطباعة والنشر وفى " الذئاب الجائعة " فى سلسلة الكتاب الذهبى ..

كما قامت فرقة تمثيل مدرسية ( كما قرأت فى الصحف ) إلى تحويلها إلى مسرحية ..

ولم تلق قصة من قصصى ما لاقته هذه القصة .. من الرواج .. ولهفة القراء إلى معرفة تفاصيلها .. وأنا لا أستغرب لأنها واقعية وصادقة ..

والعمل الصادق فى الأدب هو الذى يعيش .. كما قال الدكتور جونسون الكاتب الإنجليزى العظيم أستاذنا جميعا ..

=================================
* نشرت قصة القصة فى مجلة القصة ـ العدد 41 ـ يوليو 1984
* نشرت قصة " الأعمى " فى مجلتى صوت الإسلام 25/8/1935 والرسالة فى تاريخى 29/6 و 6/7/1936 وأعيد نشرها فى ... و .. وفى كتاب " قصص من الصعيد " مكتبة مصر
=================================

العمل الأدبى الأول لمحمود البدوى ونشرت القصة فى مجلة الرسالة بالعددين 156 و 157 بتاريخى 29/6 و 6/7/1936
الأعمى
قصة محمود البدوى


تمر ترعة الكامل بقرية « س » وهى قرية صغيرة من قرى الصعيد ، فتشطرها شطرين غير متساويين ، فقد جارت على الجانب الأيسر بقدر ما أضفت على الأيمن ، فاتسع هذا واستفاض حتى أصبحت منازله وبساتينه ونخيله وأعنابه ، لا يحدها البصر ولا تحصرها العين ، واستدق ذاك واستطال حتى قامت منازله الصغيرة على شط الترعة ذليلة منكسرة واجمة ، تشكو إلى اللّه ظلم الطبيعة بعد أن شكت جور الإنسان الذى خلفها سوداء قذرة تمرح فيها الحشرات من كل لون وجنس .

وإذا استقبلت القرية وأنت قادم على جسرها الطويل ، بصرت أول ما تبصر بمنزل صغير من هذه المنازل بنى بالطوب الأسود ، وخط جواره بستان، ليس فيه سوى نخلتين !..

مالت إحداهما على الترعة ، حتى غرقت فروعها فى الماء ، وسمقت الأخرى فى الجو ، حتى ناطحت بسعفها السماء ، ولا تدر النخلتان ثمرًا الآن ، ولا يرجى منهما شىء فى المستقبل ، فقد جف عودهما وذهب شبابهما ..

وتقيم فى هذا المنزل منذ أكثر من تسعة أعوام أرملة فى الخمسين ، وهى امرأة دمثة الطبع ـ خلاف العجائز من مثيلاتها ـ ناحلة الجسم معروقة العظم واهية البناء ، تستريح فى بيتها معظم العام ، حتى يهل رمضان، فإذا هل ، خرجت فى الهزيع الأول من كل ليلة حاملة على ذراعها صفيحة قديمة تطوف بها على منازل القرويين ، وهى تنقر نقرًا خفيفًا ، وتتغنى بأغنية قديمة ، قل من يدرك معناها ومبناها من سكان القرية ! على أنهم كانوا يهبون من مضاجعهم عندما يصافح سمعهم إيقاعها وغناؤها ، ويبسطون موائد السحور ، وان كان الليل لم ينتصف بعد !! ..

وهذا العمل الضئيل لا يجلب لها فى الغالب رزق شهرين أو ثلاثة ، فكيف تقتات باقى العام ، وكيف تعيش ؟ هذا هو السؤال ! على أن الذين انحدروا من الريف ، يعرفون تمام المعرفة أن هناك الملايين من أمثالها يضعون دائما أيديهم على بطونهم ليحفظوا بذلك التوازن الاجتماعى لتخمة الأغنياء ..

مثل هذه الأيم السواد الأعظم من الفلاحين الذين لا يعرفون ، وخير لهم ألا يعرفوا ، أنهم أتعس المخلوقات البشرية فى الدنيا جمعاء ..

إنهم مخلوقات ذليلة تعسة ، لصقوا بالأرض ، حتى أكلتهم الأرض ، وأفنوا عصارة حياتهم فيها ، حتى استنفدت قوتهم واستفرغت جهدهم . ولو رأيتهم وهم عائدون من الحقول مع مغرب الشمس، والصفرة الباهتة تعلو وجوههم ، والغبار القذر يملأ أعينهم ويسد أنوفهم ، لعلمت أنهم أتعس الناس فى الناس ، وأشقى الطبقات العاملة على الاطلاق . .

انهم مخلوقات مريضة فقدت بهجة الحياة ونعيمها واستسلمت صاغرة للمرض والفناء . .

ويسكن مع هذه الأيم أعمى فى الثلاثين من عمره ، وهو شاب أسمر فارع ضليع الجسم مفتول العضل وثيق التركيب ، وهو المؤذن لمسجد القرية منذ أن شب عن الطوق وانخرط فى عداد الرجال ..

على أن الذى جمع بين هذه الأيم العجوز ، وهذا الأعمى الشاب ، لم يكن قرابة ولا نسابة ، وإن كان القرويون يسمون العجوز « أم سيد » وسيد هو الأعمى ، وكانت المرأة تمتعض وتهتاج لهذه التسمية فى أول الأمر ، وهى التى لا « سيد » لها ، ثم ما لبثت أن استراحت لها على مرور الزمن حتى قر هائجها وسكن ، وحتى تعمدت ألا تدفع هذا القول بما يكذبه ، وهى المتيقنة بأن الجدل فى أمثال هذه الأمور غير مجد فى الواقع ، فمن الذى يقف فى وجه التيار الجارف ، ومن الذى يمكنه أن يدفع السنة الناس الطويلة جدًا إلى حلوقها ، لا أحد على التحقيق ..

على أن المنزل لم يكن للعجوز والشاب فى الحقيقة ، وإنما هو لرجل ملاح يعمل فى النيل ويقضى فيه العام كله ، ولا يهبط القرية إلا زمن التحاريق ، فإذا جاء ، بات فى سفينته ، فقد ألف الرجل النيل ، ونسى منزله على توالى السنين .

وكان المسجد الذى يؤذن فيه الأعمى فى طرف القرية الشمالى ولكى يبلغه لابد له أن يجتاز الترعة وعليها جسر ضيق ، يجوزه المبصر وهو راجف حذر ، فكيف بالأعمى ! ثم يدور بعد ذلك فى دروب وينعطف فى منعطفات ، ويجتاز بساتين من النخيل يكثر فيها الحسك والشوك ..

وعلى الرغم من هذا كله ، فإن الرجل كان يبلغ المسجد وكأنه المبصر الحديد البصر، فلا يضل ولا يتباطأ فى سيره ، ولا يعتمد على حائط ، ولا يستند إلى جدار ، وشد ما تعجب لذلك وتدهش ، على أنك متى سمعت القرويين وهم يقولون أن الرجل يبصر بقلبه ذهب عنك العجب كله . .

وإذا طلع الفجر على القرية ، وهى غارقة فى سبات عميق ، وكل شىء فيها ساكن هاجع ، فلا نأمة ولا حركة ، اللهم إلا سامقات النخيل وهى تترنح مع النسيم الوانى ، وسيقان الزرع وهى تتمايل مع الريح الرخاء ، طلع الأعمى إلى سطح المسجد ، وانطلق يؤذن فى صوت حلو النبرات عذب الرنين ، ينفذ إلى كل قلب ، ويهفو إلى كل أذن ، ومن الذى يسمعه وهو يقول :

حى على الصلاة

فيتأخر بعد ذلك عن الصلاة .. لقد كان صوته لينًا شجيًا يرن فى سكون الليل رنين اللحن العذب الأخاذ ، فيهب له القرويون من مضاجعهم ، ويخفون إلى المسجد خاشعين صامتين . .

وكان الرجل محبوبًا من أهل القرية جميعًا إلا النساء والأطفال ..

أما النساء فيكرهنه لأنه يزجرهن عن بئر المسجد ، ويمنعهن من ملىء الجرار منها بقسوة وغلظة ، حتى ينقلب صوته الحنون عند محادثتهن إلى صوت أجش خشن مرعب أحيانًا ! والقرية لا تستغنى عادة عن ماء البئر خصوصًا زمن الفيضان ، عندما يصبح الماء عكرًا نصفه طين .. وكم تغفلنه مرارًا ، وهو الأعمى ، وهن النجل العيون ..

على أن سمعه المرهف دائمًا كان يغيظهن أشد الغيظ !! فإذا أدلت إحداهن الدلو فى البئر وحركت « الحبيذ » ( البكرة ) وهو خشبى يحتاج للسقى بالزيت ليحبس صوته فى جوفه ، صر هذا ..

فيمد الأعمى قامته ويقول بصوت جاف :
ـ مين ..؟

فيتركن الدلو والجرار ويرحن يقعقعن الحلى ، ويطرن على وجوههن هاربات ، وقد تقع احداهن على وجهها ، فتخوض فيها الأخرى من فرط الرعب ، ويقمن وجلات مذعورات ضاحكات أيضا ، على أن هذا لم ييئسهن من البئر اليأس كله ، فهن يعلمن أنه يتروح بعد العشاء ، فإذا بصرن به خارجا من المسجد انطلقن إلى البئر وهن راجفات أيضا ، فشد ما كانت تخيفهن عصاته الغليظة وإن كانت لم تصافح احداهن حتى الآن ..

ومن هنا نشأت العداوة بينه وبينهن واشتدت مع الزمن وتمكنت على الأيام . .

أما الأطفال فكانوا كلما بصروا به على الجسر ، وهو فى طريقه إلى منزله ، تقوده عصاته ، وصدره إلى الأمام ، وسمعه مرهف ، ورأسه مستو ، وقامته منتصبة ، وخطواته ثابتة متزنة ، جروا وراءه يسبونه ، وقد يحصبونه بالحصى أو يرمونه بالحجارة ، وهو صامت باسم لا يلتفت إليهم ولا يكلم أحدا منهم ، حتى يقرب من بيته ، وهنا يطلع عليهم كلب للجيران أسود ضخم يربض دائمًا على الجسر ، فينطلق وراءهم حتى يشردهم فى الدروب . .

وشد ما غاظ هذا الكلب الأطفال ، حتى تسمعهم يهمسون خوفا من أن يسمعهم الكلب :
ـ لولا هذا الكلب ابن الكلب .. لكان الأعمى ..

وإن كانوا يقررون بينهم وبين أنفسهم أنه قلما كانت تصيب الرجل حصاة واحدة من كل ما يرمونه به من حصى وحجر . .

ولم يكن لهذه العداوة سبب ظاهر فى الحقيقة ، اللهم إلا الطبع الشرير الذى ينزع بالأطفال إلى السوء ، ويحبب لهم أذى الضعفاء من الناس .

***

تأخر الأعمى مرة فى المسجد حتى زحف الليل ، وتكاثف الظلام واشتد ، فسمع وهو راقد فى ركن من اركان المسجد صوت الدلو فى البئر ..

فاستوى على قدميه ، ومشى على أطراف أصابعه كاتمًا أنفاسه ، وصدره يضطرب ، وجسمه كله يهتز ، حتى جاز صحن المسجد وتيامن إلى البئر ، وقلبه واجف..

وكان قد خفت صوت الدلو ، ووضح صوت « الحبيذ » فقال لنفسه ، لابد أن امرأة تجذب الدلو الآن وهى مشتغلة به فلا تسمع خطوات قادم .. ووقف برهة ثم صاح بصوت خشن :
ـ مين .. ؟

فاستدارت المرأه وحملقت فى الظلام .. أواه .. إنه سيد الأعمى على مدى ذراعين منها ، ورمت الدلو وأذهلها الموقف المرعب عن إبداء حركة ما ، فوقفت فاغرة فاها ، ثم أسعفتها غريزة الهرب بعد ثوان ، فولت هاربة ..

فسمع وقع أقدامها فجرى وراءها ، وسمعه إلى خطاها ، وجرت حتى جاوزت المسجد ، وبودها لو تصيح بأعلى صوتها ، ولكن من أين لها القوة على ذلك ..؟ وكيف يطاوعها الصوت .. ؟ وعثرت قدمها بحجر فى الطريق ، فكبت على وجهها مذعورة ، وأنت عند ذلك أنة قوية ..

فجرى على الصوت وأهوى بيده العمياء ولمس كتفها ، وكان قد بلغ منه الجهد فوقف يلهث ويده ممسكة بكتفها ، ثم أنزل يده حتى قبض بعنف على رسغها ، وقامت المرأة متراجعة ، تود لو تفلت منه بكل ما تستطيع من قوة ، ولكنه ضغط على يدها بشدة ، وتحسس بيده الأخرى وجهها وقال فى صوت متزن :
ـ جميلة ... ؟
ـ ..........

ووقفت المرأة صامتة تهتز وترجف
ـ لم لا تنادينى لأملأ لك الجرة .. ؟
وقد رق صوته جدًا ، فدهشت من تطور حاله وصمتت ..
ـ لماذا .. ؟

فشجعها صوته اللين وأجابت :
ـ إنك لا تسمح لأحد بالدنو من البئر .. فكيف أناديك .. ؟
ـ ليس لواحدة أو اثنتين .. وإنما عندما تجئن بالعشرات فتقطعن الحبل ، وتمزقن الدلو ، وتهشمن خشب الحبيذ .. فى البلد أكثر من أربع آبار قريبة ، فلماذا تجئن إلى هنا دائمًا .. ؟
ـ لأن هذه أعذبها ماء ..
ـ هذا الماء العذب كثيرًا ما ينزح ..
ـ النيل فى فيضانه والماء كثير ..
ـ أجل ... أ .. أ .. ولكن ... أملأت الجرة .. ؟
ـ نصفها ..
ـ سأ كملها لك ..

وانقلب إلى البئر ، فمشت وراءه مطمئنة ، وأدلى الدلو وهو يحس بعض الاضطراب ، فأخذ يدير الحبيذ بسرعة ليملأ لها الجرة ويصرفها عنه ، ويبعدها عن وحدته وسكونه .

وقال وهو يفرغ الدلو بصوت خافت لين المخارج :
ـ إذا جئت مرة أخرى .. نادينى لأملأها لك . .
ـ كتر خيرك . .

وساعدها على حمل الجرة ، وانطلقت بها إلى بيتها ، ووقف ينصت إلى هزيز الريح القوية فى الحقل البعيد ..

***

وأخذت جميلة بعد هذه الليلة تتردد على البئر دون خوف أو وجل ، كانت تجىء فى كل يوم مرة ، عند مطلع الفجر أو بعد آذان العشاء ، لأن زوجها لا يسمح لها بالسير فى طريق القرية إلا بعد أن ينام الناس ، وتنقطع الرجل ..

فهى فتاة فى رونق صباها رائعة الحسن غضة العود وزوجها يخشى عليها العين ! .. ولا يحب لها ملاقاة شبان القرية الذين يقفون على رأس الطريق فى ساعات معينة من النهار .. !

وكانت تقابل سيد الأعمى فى غالب الأوقات التى ترد فيها البئر ، وكثيرًا ما أترع لها الجرة ، وأعانها على حملها ، أو ملأ لها الحوض الصغير الذى على يمين البئر لتغسل وجهها ورجليها قبل ذهابها إلى بيتها ، وكانت تطوى كميها إلى مرفقيها ، وتحسر شالها عن شعرها ، وترفع ثوبها إلى ساقيها وهى منحنية على الحوض تغتسل .. كانت تفعل ذلك ، دون خجل أو حياء لأن سيدًا أعمى ..

واستراح سيد على مرور الأيام لمحضرها حتى أصبح يشعر فى الأيام التى تتخلف فيها بالانقباض والوحشة ، كان يحس ، من أعماق نفسه ، أن شيئًا ينقصه .. شيئًا يستريح معه ، وينشرح له صدره ، وتنتشى حواسه ، وتهدأ ثائرة أعصابه . .

وكانت جميلة تدفعها غريزتها أول الأمر إلى الخوف منه واتقاء شره كرجل ، بصرف النظر عن كونه أعمى ، ولكنها ما لبثت ـ بعد الانفراد معه مرة ومرات ـ أن استراحت واطمأنت ووثقت من عفته وخلقه ، حتى كانت تخرج معه إلى حد المداعبة ، كأن تخفى عكازه ، أو تخلع الدلو ، أو تقطع الحبل ، أو ترشه بالماء ، وكان يضحك لهذا حتى يرقص قلبه ، ويلوح لها بعصاته مهددا ..

على أن هذا التآلف الذى أصبح بين سيد وجميلة ، لم يشجع غيرها من النساء على القرب من البئر ، لأنهن كن لا يعلمن بتغير حاله ، وإن علمن لا يصدقن ..

ولم يكن هو يزجرهن عن البئر ، ويمنعهن من ملىء الجرار منها ، لأنه كان يخاف على الماء قط ، بل لأن شيئًا خفيا فى أعماق نفسه ، كان يدفعه إلى النفور منهن وإبعادهن عن جوه .. دافع باطنى عجيب كان يخرجه عن هدوئه وسكونه ، عندما يسمعهن يتحدثن على الماء أعذب حديث وأرقه ، كان يرجف له ويضطرب ، وهو الرجل وهن النساء .. شعور باطنى غريب كان يحمله على فعل ذلك ولم يستطع تحليله ولا تعليله ، وهو الجاهل الذى لم يذهب إلى المدرسة ولم يدرس علم النفس ..

لقد قضى الرجل حياته بعيدًا عن جو المرأة فأخرجها عن دائرة تفكيره ، بعد أن خرجت عن دائرة وجوده ، ولم يعد يفكر فيها مطلقا ..
ولم يعد يفكر فيها ولا يحن إلى لقياها ولا يستريح لرفقتها ..

وكان يتضايق حتى من وجود أم سيد معه فى منزل واحد .. وإن كان ينام بعيدا عنها ، ولا يلاقيها إلا نادرا ـ غالبا فى الأوقات التى كان يرجع فيها إلى البيت مبكرا ليتعشى ـ فكان يتذمر ويضطرب لمحضرها ، وإن كان يعدها أما ..

كان يرجف لوجودها معه ويحس بروحه تثور ، لأنه ما كان يحب أن يتصورها جالسة أمامه ترقبه وهو يمضغ الطعام ، ويقطع الخبز بأسنانه . وكان لا يعود لهدوئه وسكونه إلا بعد أن يتنفس الصعداء فى قاعته ..

ولما اعترضت جميلة طريقه ، أول مرة ، كان يحمل معه عصاته ليضربها ، ولكنه لما سمع صوتها عن قرب ، ووقف عند رأسها ، وأمسك بيده رسغها ، وصافحته أنفاسها ، تراجع وأيقن أنه أمام مخلوق لا يستحق الضرب ..!

وأخذ بعد ذلك يترقب حضورها ، ويتأخر فى المسجد عامدا ليعينها على حمل الجرة ، ويملأ أذنيه من صوتها .

***

بقى الأعمى فى المسجد بعد أن فرغ المصلون من صلاة العشاء بساعة ، ثم مشى إلى جانب المنبر فتناول عصاته وأم الباب ، ولما بلغ عتبته سمع صوت الدلو فى البئر ، فنصب قامته وأرهف سمعه ..

لقد جاءت جميلة على عادتها ، ولكنها متأخرة قليلا هذه الليلة ، واستمر واقفا وسمعه إلى الماء المتقاطر من الدلو كدفعات المطر غب سحاب ورعد ؛ ثم أنقطع صوت الماء ، فادرك أنها ملأت الجرة ، فدفع الباب وخرج ، ومضى تحت جدار المسجد خطوات .. ثم توقف عن سيره وأخذ يفكر .. ثم ارتد إلى حيث كان ، حاثا الخطى كأنما يسوقه سائق .. وعطف على البئر ، وقلبه شديد الخفقان . .
ـ جميلة ..
ـ نعم ..
ـ أملأت الجرة ..؟
ـ أجل ! ..
ـ وذاهبة إلى البيت ؟
ـ أجل . .

وكانت الجرة على رأسها ، وقد تهيأت للسير ، فاستدارت ووقفت ..

ومد عنقه وقال :
ـ سأروح معك من غرب البلد .. لأن كلاب الشيخ عبد الكريم عادت من العزبة .. وهى تقطع على الطريق ..
ـ هيا ..

ومشيا صامتين ، والليل ساكن والقرية نائمة ، والظلام مخيم ، حتى أحس بأنفاسه خلصت ، فأدرك أنهما خرجا إلى الخلاء . وبعد خطوات سمع حفيف الريح فى عيدان الذرة فأيقن أنهما قربا من الحقول ..

وسأل وقلبه يرجف :
ـ أوصلنا بستان الشيخ حسين .. ؟
ـ قربنا ..

ولم يكن ألف هذه الطريق ، وإن كان يعرف أن هناك قناة صغيرة تمتد بين البستان وحقل الذرة وعليهما أن يعبراها لينحدرا منها إلى جنوب القرية ، ثم إلى حيهما ..

وكان منذ أن غادر البئر ، واقعا تحت تأثير خواطر عاصفة ، اشتعل لها رأسه ، وجاش صدره ، فكان يتخلف عنها قليلا ويجعلها تتقدمه خطوات ..

فهذه هى المرة الأولى الذى ينفرد فيها مع امرأة فى ظلام الليل وسكونه ، على أن تخلفه عنها لم يخفف من حاله ، بل على العكس من ذلك ، كان يفسح المجال لوضوح رغباته وتركزها وأخذها السبيل عليه ..

فمضى وراءها والاضطراب يعصف بقلبه وصدره وكيانه ، حتى وصلا القناة فدفع لها عصاه ، ونزل وراءها فى الماء ، وغاصت أقدامهما فى الوحل ، وخرج ينفض رجليه فى العشب الممتد على حافة الحقل ..

وأنزلت هى جرتها وانحنت على الماء تغسل رجليها ، ثم انتصبت تصلح ثوبها ، وهو واقف خلفها يفتح رئتيه وصدره لهواء المساء العليل ، ويحاول أن ينحى عن رأسه الخواطر العاصفة التى ألهبت أليافه وهيمنت على كيانه ..

وواجهته وقالت بصوت ناعم :
ـ ناولنى ..

فمد يده إلى الجرة .. فلمست يدها ، فكأنما لامسه لهب كاو ، فوقف ويده تلاصق يدها ..

ثم أمسك بيدها ورفعها عن الجرة ، حتى استطاع أن يقبض عليها بقوة ، فمدت وجهها مشدوهة وقالت وصوتها يرتعش :
ـ ناولنى ..

فرفع يده إلى ذراعها وضغط ، وقد أحس بألياف لحمه تلتهب ..
ـ نـ ... ناولنى .. !

فأبقى يده ضاغطة على ذراعها ، وهو واقف يتردد ..
ـ ما الذى تريده منى .. ؟
فلم يقل شيئًا .. ثم مال عليها وضمها إلى صدره وضغط على جسمها فتراخى ، وحملها على ذراعيه بسرعة ودخل بها حقل الذرة ..

***

مشت جميلة إلى بيتها خائرة القوى ، مرضوضة الجسم ، ذاهبة اللب ، وقد اسود فى نظرها الوجود ، واحلولكت الدنيا ..

مشت ذاهلة ساهمة لا تحس بشىء مما حولها ولا تعرف إلى أين هى ذاهبة .. على أن رجليها كانتا تقودانها، بحكم العادة ، إلى بيتها ..

مشت تحملق فى الظلام ، وهى والهة مرتاعة ترى بعد كل خطوة شبحًا ، وتتصور عند كل قدم حفرة ..

لقد فعلتها.. مع من .. ؟ مع سيد الأعمى .. لقد ساقتها قوة أزلية إلى الهاوية ، لقد حملها المقدور الحتم إلى الوحل .. لقد جرفها التيار ، فغاصت فى الوحل إلى ساقيها..

إننا نسير فى الطريق مسوقين بقوة أعلى منا وأقوى ، قوة جارفة لا نستطيع ردها ، ولا نقوى على دفعها ، تسوقنا فى الظلام إلى المصير الحتم ..

لقد غدت جميلة ، فتاة الريف العفيفة الطاهرة ، المرأة الدنسة القذرة التى غاصت بقدميها فى الوحل .. سيظل الوحل عالقًا بها دائمًا ، وإن غسلت رجليها صباح كل يوم ومسائه ، سيظل الوحل عالقًا بها أبدًا ..

ستذكر دائمًا أن قوة خفية ساقتها ، بمحض إرادتها ، إلى الوحل ، قوة أعلى منها لا تستطيع فهمها ولا تحاول فهمها ولا تعليلها ..

هذه القوة الخفية الأزلية تعمل دائمًا من وراء الحجب ، تعمل أبدًا من وراء الغيب ، وتسوقنا إلى المصير المحتوم ..

ستذكر جميلة ، الفتاة الريفية الجميلة المزهوة ، أن قوة خفية ساقتها إلى البئر ، لتقودها إلى الأعمى ، ولتجرفها إلى الحقل . .

لا لذه ولا متعة ، ولا إحساس بشىء من هذا كله ، ولكنها استسلمت ورضيت ، لأنه حكم عليها بأن تستسلم وترضى . .

لا إحساس بنشوة ولا شعور بمتعة ، وإنما مر كل شىء كالعاصفة الهوجاء وهى تلف كل شىء لفًا ..

لما فتحت عينيها على الدنيا الرحيبة الباسمة ، من قبل ، كان كل شىء قد تغير ، كل شىء قد تغضن وأربد وعلته غشاوات ، ولفه السواد فى جلبابه ، وطوته العاصفة الرعناء فى طياتها ، كل شىء قد انمحى من باصرتها ومات وذهب مع العاصفة ، وبقيت ظلمات يأخذ بعضها برقاب بعض .. وعليها أن تسير فى جوف الظلام وتمضى ..

ستطلع شمس الصباح الجميلة على القرية الوادعة ، وستقابل القرويات ، وستتحدث وتبتسم وتضحك ولكن بأى وجه .. ؟ وأى لسان .. ؟؟ وستقابل الزوج ، عندما يطلع النور ستواجه زوجها وتقف أمامه ، ولكنه لن يعرف شيئًا ولن تعرف النسوة شيئًا ، ولكنها مع هذا ستشعر بالخجل وتغض الطرف وتنكس الرأس ، وهى الجميلة المزهوة التى تعلو على أقرانها ولداتها .

ستسير فى القرية مطأطئة الرأس ، خافضة الطرف ، لا تستطيع أن تقابل نظرة امرأة بمثلها .. ستفعل ذلك ما دام الإحساس بالجريمة يلازمها ، وإذا ما بارحها هذا الإحساس ستنسى ، ولكنها لن تستطيع أن تنسى كل شىء ..

ستذكر دائمًا أنها فعلت ذلك بمحض إرادتها ، وكان عليها أن تقاوم ، وتمزق الثوب وتشق الجيب وتملأ الدنيا صياحًا .. إنها لم تأخذ شيئًا ، لم تأخذ شيئًا مطلقًا ، وأخذ الرجل كل شىء ..

ولن تذهب إلى البئر بعد اليوم ، لا فى الصباح الباكر ، ولا فى الليل الزاحف ، لا وحيدة ولا برفقة أحد ، كل ما توده الآن هو أن تنسى ، هو أن تحاول أن تنسى ..

كل شىء فى الحياه يتغير فى ساعة ، يتغير فى ساعة أزلية مسطورة فى صفحة حياتنا .. لقد غدت الفتاة المشرقة الضاحكة الناضرة ، المرأة المشوهة المنكسرة الواجمة .. بعد ساعة مرت كالعاصفة ..

فتاة الريف لا تزال بخلقها البكر ، لا يزال ضميرها حيا ، لم تخدره بهارج المدينة الكاذبة ، إنها لا تزال ترى الأشياء على حقيقتها .. لا تزال بطبعها البكر ، طاهرة نقية ، قوية الإيمان عفيفة الأزار .. تستهول الجريمة الجنسية ، وتستفظع الخيانة الزوجية ، وترجف حتى من مجرد التفكير فيها .. هكذا شعورها بفطرته ..

تعرف من غير معلم ولا مدرسة أنها خلقت لرجل واحد ليس إلا ..

رجل واحد يأخذ منها قلبها وجسمها ، ويستغرق تفكيرها ووجودها ، وتدفعها فطرتها على أن تكون له أبدا ..

أما إذا زلت قدمها ، وجرفها التيار إلى الوحل مرة ! فما الذى تفعله .. ؟ تحاول بكل ما تستطيع من قوة أن تنسى ... لأنها لو ذكرت ، ربما عاودتها مع الذكرى أشياء لا تحبها ، ولا تود التفكير فيها ..

ولما أشرفت على الجسر الذى ستنحدر منه إلى حيها راعها نباح الكلاب الشديد ، إنها لم تنبح بمثل هذه الشدة مطلقا ، إنها تطارد فى ظلام الليل أشباحا مخيفة تروعها ، وأحست بوخز الابر فى جسمها ، أخذ جسمها يرتعش ، ومع الرعشة برودة الثلج ..

فمالت إلى جدار قائم فى الطريق واعتمدت عليه دقائق .. ولما رجعت لها بعض قوتها استأنفت سيرها ، وتقدمت تسحب رجليها سحبا ، وقد آب لها بعض حسها ، على أن جسمها كان يشوكه مثل الشوك دائما ..

وأخذت عينها الترعة ، وماؤها يتدافع ويجرى .. وقد تراقصت الصور فى مخيلتها واختلطت ، بعد خطوات ستصل المنزل وتلاقى زوجها ..

وحدقت فى الماء وهو يجرى متدفقا منطلقا كالسهم ، لا شىء يقف فى طريقه ، يجرف معه دقيق الحصى والتراب ، ويحمل على متنه خفيف الريش ، لقد حملها التيار ، إلى أين ذاهبة ..؟ إلى أين ذاهبة .. ؟

ما الذى سيحدث لو علم زوجها .. ؟ سيذبحها كما تذبح الفروج .. ليس أيسر على الريفى من ذلك فى سبيل عرضه وشرفه ، وهو ثروته الباقية على الأيام ..

ماذا يحدث لو علم لداتها .. ؟ ، ما الذى سيحدث لو علم أقرانها اللاتى تزهو عليهن بجمالها وتشمخ .. سيمزقنها بألسنتهن وستغدو حديثهن فى كل سمر ، ومتعتهن فى كل مجلس ..

ما الذى سيحدث لو علم أهلها .. ؟ أخوها أقوى شباب القرية سيدفنها حية ، كما دفنت ناعسة ومبروكة وعزيزة ، من فتيات القرية اللواتى حامت حولهن الشبهات ، وعفى عليهن الآن ذيل النسيان ، فلا يستطيع أحد أن يذكرهن لأن فى الذكرى جريمة .. حتى ذكراهن عند القروى جريمة ..

ونزلت من الجسر إلى الدرب الذى فى نهايته منزلها ، ومشت مستريحة إلى الظلام المتكاثف ، كل ما توده الآن هو أن تسير فى جوف الظلام متقية به أعين الناس .. لقد مشت على الجسر راجفة مروعة تخاف أن يبصرها خفير الدرك ، ولكنها الآن فى جوف الظلام آمن وأسلم ..

وتقدمت فى الدرب متخاذلة متثاقلة تحس الأرض تنشق تحتها ، تصعد أكوام الرماد الملقاة عند أبواب المنازل وتهبط معها ، وهى تتصور أنها ترقى تل الصحراء .. ولما بلغت باب البيت وقفت لحظات .. ثم تجاسرت ودفعته ..

وكان زوجها نائمًا على السطح فانتبه على حركة الباب ، وصاح بصوت جاف :
ـ تأخرت ياجميلة ..

وكان صوت زوجها يرعد . أواه ظنته نائمًا فإذا بعينه ساهرة .. فلم تجب ، وغضت رأسها ووقفت فى صحن البيت جامدة .. ولو بصر بها زوجها لرأى أغرب صورة .. ولم ينتظر جوابها فصمت ، ثم قال بعد مدة :
ـ اسقى البقرة واعلفيها ..

ومضت فترة قصيرة سمع بعدها بكاء عاليا فسأل بغضب وقسوة ، فأسخف ما فى نظر القروى بكاء امرأة :
ـ ما الذى جرى .. ؟
فلم ترد .. وزاد نحيبها ..
ـ ما الذى جرى ..؟

وانتصب وأطل على صحن البيت ..
ـ ما الذى جرى ..؟
ـ الجـ .. الجر ... الجرة .. آه .. اهىء ..
ـ كسرت .. ؟
ـ أجل .. آه .. اهىء ..
ـ وهى تستحق كل هذا البكاء ؟ .. كفى .. !
ـ آه .. اهىء .. آه ..
بصوت راعد
ـ كفى ..

فحبست زفراتها وغيضت عبراتها ودفنت وجهها فى حجرها ..

ونام الزوج وشخر .. !

***

زحف الأعمى إلى المسجد قبل الفجر وهو متخاذل الجسم متسعر الجمجمة ، وكانت قد ساورته فى الليلة التى خلت حمى شديدة تصبب لها عرق يملأ القرب ، وبات ليلته يتقلب على مثل الشوك ، ويود من فرط الحمى المتأججة فى جسمه من يقذف به إلى اليم .. بيد أنه تحامل على نفسه لما لاح النور ومشى إلى المسجد متوكئا على عصاه ، فما من الأذان بد . أجل ما من الأذان بد ، كيف يغفل عن آذان الفجر .. !

وصعد إلى سطح المسجد ووقف ناصبا قامته مادًا عنقه ، ويده على الساعة يتحسس بها العقرب ، حتى حان وقت الفجر فوضع يده عند أذنه وانطلق..!! ولكن ما هذا ؟ ما الذى جرى .. ؟

لقد اختنق صوته واحتبس ، وأصبحت الحروف تخرج من حنجرته مصفرة عاوية عواء الذئب .. ما الذى حدث ؟ ما الذى جرى .. ؟ حاول مرة ثانية فأخفق .. وتمهل لحظة ، وحاول مرة ثالثة ، فأخفق أيضا ..

وهبط إلى صحن المسجد ، وهو يهتز اهتزاز القصبة الجوفاء فى مهب الريح العاصف ، وتقدم حتى وقف على رأس رجل نائم ..
ـ شيخ على .. شيخ على ..
ـ نعم ..
ـ قم لتؤذن الفجر .. فصوتى لا يطاوعنى اليوم .. أصابنى البارحة برد شديد ..

وبارح المسجد قبل مطلع الشمس ، وسار على الجسر حتى بلغ الحقول المجاورة ، وكان قد نال منه التعب ، وبلغ منه الجهد ..

فاستراح تحت شجرة من شجر السنط ، وضربه هواء الصباح على أذنه فنام حتى القيلولة ، وقام وقد حميت الشمس وتوقدت الهاجرة ، وانقلب الهواء راكدًا خانقًا يلفح الوجوه بوهج السعير ..

واستوى على قدميه وأمسك بعصاه واتجه إلى القرية ، وكل شىء فيها ساكن وادع إلا الأطفال ، الذين لا يقيمون للجو وزنًا ولا يبالون بحر أو برد ..
ـ أحمد ! .. سيد الأعمى
ـ صحيح ..؟ ..
ـ والنبى ..

وتجمع الصبية على الجسر ، ووقفوا صامتين وعلى شفاههم بسمات خفيفة ، حتى جاوزهم الأعمى ، وهو يسير سيره المألوف ..

ولما بعد عنهم قليلا ، رماه أصغرهم بحصاة استقرت عند صدغه .. ما هذا .. ؟ لقد أصابته للمرة الأولى أول رمية من أصغر صبى ، ما الذى جرى .. ؟ وانهالوا عليه بعد ذلك يدا واحدة ، حتى أمطروه وابلا من الحصى والحجارة ..

فاستدار لهم الرجل ، وقد تميز غيظًا ، ولوح بعصاه يهدد ويتوعد ، فتفرقوا عنه واستأنف سيره بعد برهة قليلة ، واستأنفوا هم بدورهم حصاهم وحجارتهم ، فما أقل الصبر عند الأطفال ، وأصابه حجر فى الجانب الأيسر من صدغه فشجه وسال الدم .. وآلمه الجرح جدًا حتى خرج به عن رشده ، فدار على عقبيه وجرى وراء الصبية يضرب بعصاه يمينًا وشمالا ، ولا يبالى أين تقع وتصيب ، وهو مخبول تمامًا ، حتى أصابت ضربة قوية صبيًا فى رأسه فجرحته جرحًا بليغًا ، ونزا دمه الأحمر فلطخ وجهه ..

وكان الكلب رابضًا على الجسر فى ظل جدار لمنزل خرب .. وعينه إلى المعركة التى حميت واشتدت ، فقام ينفض جسمه نفض الليث ، وتوثب وثبات جامحة ، ثم دار دورات سريعة يقذف فى خلالها الهواء بغبار رجليه ، ثم انقض على الرجل فمزق الجزء الأمامى من ثوبه .. ! وطار به .. والصبية تبصر هذا ولا تكاد تصدق ..

وشجعهم الكلب على معاودة الكرة على الرجل فانهالوا عليه ، وقد حموا ونشطوا ، يرجمونه بالحصى والحجارة ، حتى انطلق الرجل يسابق الريح .. وما زالوا يتبعونه حتى أجلوه عن القرية ، ولما كلت سواعدهم رجعوا إلى القرية ضاحكين .. وانطلق هو يجرى كالمخبول لا يلوى على شىء ..

***
وبصر القرويون فى صباح اليوم التالى وهم فى الطريق إلى سوق « المركز » بحثة ملقاة على قارعة الطريق ، ومنهم من قال أنها لسيد الأعمى ، ومنهم من أنكر ذلك ..

على أن الذى نحن على يقين منه أن الرجل لم يدخل مسجد القرية بعد ذلك .. أبدأ

=================================
العمل الأدبى الأول لمحمود البدوى وقد نشرت القصة فى مجلة الرسالة بعدديها رقمى 156 و 157 بتاريخى 29/6 و 6/7/1936وأعيد نشرها بمجموعة قصص الذئاب الجائعة 1944 وبمجموعة " قصص من الصعيد " 2002 من تقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر
=================================

ليست هناك تعليقات: