الخميس، 7 ديسمبر 2006

الأجانب فى الأدب العربى ص22


حانة المحطة
قصة محمود البدوى

فرغنا من حصاد القمح وكومناه فى الأجران ودارت على القش النوارج .. وتركت كل شىء فى حراسة الشيخ عبد الحفيظ ، وركبت الفرس إلى حانة المحطة لأقرأ الجرائد وأعرف أحوال الدنيا والسوق .. وهى حـانة صغيرة على مسيرة ثمانية أميال من العزبة يملكها رجل يونانى ، وهى المكان الوحيد فى تلك المنطقة الفقيرة الكئيبة الذى تحس فيه بالحياة .. وتجد فيه فنجانا من القهوة وكوبا من الماء النقى .. وقد جعلها الرجل تحت أنظار الذين يخرجون من قطارات الركاب التى تقف على محطة بنى نافع ..

فهى قهوة صـغيرة وبار وبقـالة فى الدور الأرضى .. ثم سرير واحد .. فى الطابق الثانى للموظفين والتجار الذين يتخلفون من قطار الليل ولا يجدون سيارة أو ركوبة تنقلهم إلى بيوتهم .. ولكن نزلاء هذه الغرفة كانوا قليلين جدا على مدار السنة .. ولم يكن مخالى يحسب لهم حسابا .. ولهذا أقام هذا الطابق هو وزوجته .. وكانت عنايتة كلها متجهة إلى الحانة ..

وفى هذه الحـانة كنت أستريح كلما نزلت من القطار حتى تجىء الركوبة التى تنقلنى إلى العزبة وأعود إليها كلما أحسست بالفراغ والوحشة ..

وكان من زبائن الحانة المستديمين توفيق أفندى ناظر المحطة ثم عبد الجواد أفندى أمين شونة بنك التسليف .. ثم السيد حسن عبد المجيد وهو شاب مثلى من المزارعين وكان مقطوع الرجل اليسرى ولكنه خير من يركب على سرج وأبرع رجل فى الرماية ..

وكانت مدينة ديروط تبعد عنا ساعة كاملة فى القطار .. ولكننى لم أكن أحس فى محطة بنى نافع الصغيرة بالوحشة ..

وكان توفيق أفندى يحمل إلىَّ كل الجرائد والمجلات التى جاءت فى قطار الظهر .. وعطية الفراش يخدمنى ويذهب إلى كل مكان ..

ويجىء بالطعام من عند مخالى إذا ما رأيت أن آكل فى المحطة ..

وكنت أقرأ الصحف وأنا أستظل بشجرة فى داخل المحطة وأسمع حركة القطارات وصفيرها وجلجلتها على القضبان .. وحركة السيمافورات التى تفتح وتغلق كلما مر قطار .. وأرى أسلاك التليفون والبرق وهى تهتز وأعمدتها تئز كلما مر الاكسبريس وهو يثير زوبعة من الغبار ..

وكنا نسهر فى الحانة ونسكر .. وكان يمر علينا تجار الغلال والماشية فنعرف منهم كل أحوال السوق .. فإذا ما مر قطار الساعة الحادية عشرة ليلا وهو آخر قطار يقف فى المحطة .. فرغت القهوة والبار من روادهما .. وجلس توفيق أفندى وعبد الجواد أمين الشونة وحسن عبد المجيد حول المائدة يلعبون القمار وكنت أجلس لأتفرج ولا أشترك معهم فى اللعب إلا قليلا ..

وكانوا يلعبون فى أكثر الحالات إلى الصباح .. ثم يذهبون إلى عملهم محطمين من التعب وأعود أنا إلى العزبة لأنام إلى الضحى .. وكان مخالى يتقاضى جنيها كاملا أجرا للمائدة .. وكنا نصرف أضعاف هذا المبلغ على الطعام والشراب ، والواقع أنه كان يعتمد علينا اعتمادا كليا ..

وكنت قد شغلت كلية بالحصاد ، فلم أذهب إلى الحانة طيلة أسبوعين ، فلما عدت إليها بعد هذه الغيبة وصعدت إلى الدور الثانى كعادتى لأغسل وجهى من تراب الطريق لمحت فتاة جالسة فى الغرفة الداخلية وكان وجهها إلى النافذة .. وظهرها إلىَّ فلم أتبين ملامحها ، وإنما رأيت ثوبها وجسمها وهى جالسة على الأريكة .. ولما أخذت طريقى إلى السلم لمحتنى فأعطتنى نصف وجهها ..

***

وأصبحت أرى الفتاة كلما جئت إلى الحانة .. وكانت تساعد مدام مخالى فى عملها ، وعلمت أنها أخت المدام ، وأنها كانت تعيش فى الإسكندرية وجاءت بعد أن مات زوجها .. ولم أكن أبيت فى حانة المحطة قط .. وإنما كنت أستريح فقط فى النهار على كنبة أو حشية فى ساعات القيلولة .. ولكننى بعد أن وقع نظرى على " أتينا " واستملحتها ، كنت أصعد إلى الدور العلوى .. لأستريح فى النهار والليل .. وبدلا من تناولى الطعام فى البار كنت آكل فى الطابق الثانى ، وكانت أتينا تعد لى المائدة وتقدم الطعام والشراب .. وكنت أشرب الكونياك فى أغلب الأحيان وأظل أتحدث مع مدام مخالى وأتينا .. حتى أسمع صياح حسن عبد المجيد فى الدور الأرضى فأعرف أنهم بدأوا يلعبون القمار .. وكانوا يلعبون يومين أو ثلاثة فى الأسبوع .. دون انقطاع عندما كان يكتمل عددهم ويعود الموظفون منهم الذين ذهبوا للتفتيش .. والواقع أنهم كانوا جميعا يحسون فى أعماقهم بالتعاسة ويشكون من الخمول والفراغ ، وكانوا يحسون بالفراغ أكثر فى المساء إذ لم يكن هناك ما يشغلهم على الاطلاق وكنا نشكو جميعا من الملال والضجر ، ونجد فى حانة المحطة البلسم لجراحنا . وكنا فى أيام الصيف المتقدة نتعذب من الغبار والذباب والظلام الذى حولنا وفى نفوسنا .. فإذا فرغنا من أيام الحصاد وجمعنا المحصول .. طرنا إلى المدينة لننعم بما فيها من أنوار ..

وكانت حانة المحطة التى تضاء " بالكلوب " هى مقصدنا والنور الوحيد فى الظلام المحيط بنا ..

وكنت عندما أسمع صياح حسن ورفاقه فى الدور الأرضى أهبط إليهم وأحاول أن أعيدهم إلى الهدوء .. وكانوا يلعبون القمار كمحترفين وتستغرق اللعبة حواسهم كلها .. وكنت أراقبهم عن كثب وأدرس وجوههم وانفعالتهم .. وكان الواحد منهم يتشاءم لمجرد تغيير الكرسى الذى يجلس عليه والكوب الذى يشرب منه .. أو إذا وقف مخالى على رأسه .. أو إذا وضعت له أتينا الكأس على حافة المائدة من الناحية اليسرى ..! كانوا يتشاءمون من أشياء تبعث على الضحك .. وكان القمار يستغرق حواسهم فلم ينظر أى واحد منهم إلى أتينا نظرة اشتهاء رغم أنوثتها الصارخة ، ولقد أدركت من هذا سلطان القمار على النفس .. فهو يقتل الرغبة فى النساء .. وهذا أعظم سلطان ..

وكان مخالى يغلق باب الحانة المؤدى إلى الشارع .. ويبقى الباب الداخلى الصغير المفضى إلى الدور العلوى ..

وكانوا ينتهون من اللعب فى الساعة الثانية أو الثالثة صباحا .. ويخرجون صفر الوجوه محطمين جميعا جائعين إلى النوم ..

وكان الذى يكسـب فى أغلب الحالات هو عبد الجواد أمين الشونة .. وقد عجبت أول الأمر للحظ الذى يواتيه على طول الخط ثم علمت أنه يغش فى اللعب ، وكان سكيرا ومقامرا ومرتشيا ، ويسرق من محصـول الفلاحـين المساكين الذى يقدمونه للشونة فى عملية الحيازة .. فيأخذ من كل اردب كيلة كاملة لنفسه يسرقها فى الميزان ..

وكان جميع الفلاحين يعرفون ذلك .. ولكن ما ما من واحد منهم كان يستطيع أن يفتح فمه ..

ولم يكن يفعل هذا إلا مع صغار الفلاحين ، أما كبار المزارعين .. فكان يخشى بأسهم ويتقرب إليهم ويجعل منهم ستارا وحماية ..

وكان قد أخذ يشترى الأطيان من الفلاحين بعد أن يقرضهم بالربا الفاحش ويجدوا أنفسهم عاجزين عن السداد . ثم أخذ يستأجر العزب الكبيرة ويؤجرها للفلاحين .. وكان حسن عبد المجيد يكرهه لهذا ويجد فيه دخيلا على المنطقة ومنافسا خطيرا وكانت هذه الأحقاد المكتومة تنفجر فى ساعة القمار ..

ولم أكن أنا أشفق على أحد منهم إذا ما خسر فى الليلة الواحدة خمسة أو عشرة جنيهات ، لأنهم أثرياء ويأتيهم المال من عرق الفلاح المسكين .. وإنما كنت أشفق على توفيق أفندى ذلك الموظف المسكين الذى جره الفراغ والتعاسة إلى هذه اللعبة القاتلة ..

***

وذات ليلة نمت فى الدور العلوى من الحانة لأننى كنت قادما من ديروط ولم أجد الركوبة فى انتظارى لتنقلنى إلى العزبة ..

وأعدت لى مدام مخالى سريرا نظيفا .. وعشاء ساخنا .. فجلست بعد العشاء أدخن .. وأنظر من نافذة الغرفة إلى ما حولى من ظلام وسكون .. وكانت المحطة هناك على مرمى البصر وليس فيها أى شىء سوى مصباح ضئيل أحمر .. تتراقص ذبالته كلما تحرك الهواء ..

وكان الشىء الوحيد الذى يسمع صوته هو أسلاك البرق وحركة السيمافورات الأتوماتيكية . وكان خفير المحطة يتحرك فى الظلام على الرصيف مقبلا مدبرا .. ثم يضع البندقية بين رجليه ويجلس على زكائب من الغلال فى انتظار الشحن .. وكان منظر مكتب التذاكر ومكتب الناظر وخلفهما بستان من النخيل قد زاد المكان جهامة ووحشة .. وكانت أنوار القرى الصغيرة تبدو من بعيد .. وبعض الفلاحين يشعلون النيران فى الحقول . أما قرية نافع والعزب المجاورة لها فقد كانت غارقة فى ظلام دامس وليس فيها أى دليل على الحياة ..

ومر قطار بضاعة طويل وكان قادما من أسيوط وأخذ يصفر .. فبعث الحياة فى المكان ..

وكان الجو حارا فتركت الباب والنافذة مفتوحتين ليمر الهواء وأطفأت المصباح البترولى وتمددت على السرير وقد شعرت بطراوة الهواء وبالسكون .. وسمعت صوت مخالى وهو داخل فى الردهة لينام .. ثم أحسست بنور غرفته يطفأ وبقى فقط المصباح البترولى الصغير فى الردهة .. وكان يلقى ضوءا لينا على مدخل البيت ..

ومرت أكثر من ثلاثين دقيقة أخرى وأنا متيقظ ثم رأيت نورا جديدا يدخل الردهة .. وبابا يفتـح .. ودرت نصف دورة على السرير .. ورأيت أتينا فى غرفتها من بابها المفتوح .. تجلس نصف منحنية على الكنبة الوحيدة .. وفى يدها سيجـارة .. ولم أرها تدخن قبل هذه اللحظة .. وخيل إلىَّ أنها تأكل السيجارة ولا تكتفى بسحب دخانها .. وكان شعرها يغطى نصف وجهها وقميص نومها ينحسر عن الساق اليمنى حتى الفخذ ويغطى الساق الأخرى كلية .. وبدت خطوط جسمها واستدارة كتفيها وضغطة الرأس الصغير على العنق .. وانتصبت وغابت عن بصرى لحظة وعندما عادت إلى مكانها .. انحنت قليلا على المصباح لتخفف من نوره ..

ثم تلفتت كأنها تبحث عنى أو كأنها تخشانى .. ثم استقر رأيها .. وأخذت تخلع القميص وفى نفس اللحظة أغلقت عينى .. كأننى لا أستطيع الصمود أمام هذه الفتنة الطاغية .. وسمعت بعد دقيقة واحدة المفتاح يدور فى قفل الباب ..

***

وفى الصباح دخلت علىَّ الغرفة بصينية الشاى وسألت :
ـ نمت كويس ..؟
ـ خالص .. هواء جميل ..
ـ الغرفة الثانية بحرية وفيها هواء أكثر .. تعال شوفها ..

ومشيت وراءها إلى الغرفة التى نامت فيها .. ورأيت آثار جسمها على السرير ..
ـ أعجبتك ..؟
ـ طبعا هذه أحسن .. ولكنك تنامين فيها .. فهى لك ..
ـ لا .. سنجعلها لك .. حتى تنتهى من المحصول ..
ـ لقد أصبحت ريفية وتعرفين المحصول .. ومواعيده ..
ـ عشت طويلا فى الريف .. فى نجـع حمادى .. فى البلينا .. فى المنيا ..
ـ قبل الجواز ..؟
ـ وبعده ..
ـ وستمكثين طويلا هنا ..؟
ـ لا أدرى .. وقد أسافر فجأة .. كما جئت فجأة ..!
وكنا نتحرك تجاه الباب معا ..

وعند المصراع المفتوح اقتربنا وكدنا نلتصق .. ورأيت صدرها العارى يتحرك مع أنفاسها .. وأخذت أقاوم رغبة عنيفة فى ضمها إلى صدرى .. فوقفنا دون حركة على العتبة نصف دقيقة كاملة ونحن نتبادل النظرات الملتهبة .. وسمعت صوتها أشبه بالهمس :
ـ اتفضل ..
فتحركت إلى الخارج وكأنى خارج من دوامة ..

***

وأخذت أبيت عند مخالى .. وأباشر عملى فى العزبة .. وازددت قربا من أتينا .. وكانت تحادثنى بحرية المرأة التى خرجت إلى الحياة .. وذهبت إلى أكثر من مدينة وعرفت ألوانا وأشكالا من الناس ..

وكانت امرأة ككل النساء اللواتى عرفتهن فى الحياة .. لكن كانت غليظة الشفة سوداء الشعر جدا .. واسعة الفم والعينين .. وكان صوتها أشبه بصوت الكروان .. وكنت أسمها تغنى غناء خافتا وهى تعمل فى المطبخ ، وبدا لى أن أسألها هل اشتغلت بالغناء ، فقد كانت تغنى وكأنها تصاحب الأوركسترا ..

وكان مخالى يقدم الطعام لمعظم الموظفين وتجار المواشى والغلال الذين يمرون فى المنطقة فى فترة المحصول .. لأن القرية كانت بعيدة عن المحطة .. وكانت زوجته وأتينا تصنعان الطعام كله .. وكانت الفلاحات يحملن له حتى الباب كل ما يحتاج إليه .. الطيور والبيض والخضار ويختار منها أجود الأصناف .. وكان الفلاحون يقولون عنه أنه جمع ثروة طائلة لأنه يعمل فى الريف المصرى منذ أربعين سنة ..

وبعد العمل فى البيت ، كانت أتينا تجعل كل وقتها لى .. وشعرت نحوها بالحب الممزوج بالشفقة لأن مخالى كان يتقاضى أجر اقامتها عنده أضعافا مضاعفة .. ويجعلها تعمل خادمة وطاهية وغسالة وحائكة للملابس ..

كل الأعمـال التى تجيدها النسـاء ، ويحرمها من لذة الحب والراحة ..

وكانت إذا رأتنى فى الظهر وأنا أستريح ساعة القيلولة يبدو الفرح على وجهها .. لأننى الوحيد بين الذين رأوها الذى أعارها انتباهه ..

وكنت معها ذات غروب عندما لمحت وأنا أحرك يدى على صدرى خطا أسود بجانب الكتف ..
فسألتنى :
ـ جرح ..؟
ـ رصاصة قديمة ..
وفتحت فمها من الذعر فقلت لها بأسى :
ـ رصاصة أطلقها أخ لحسن .. الشاب المقطوع الرجل الذى ترينه فى الحانة .. وكنا فى سامر ورأى الراقصة .. فاهتاج وأطلق الرصاص ليفض السامر .. وأنا من وقتها وأنا أكره السامر والسمر .. والنساء ..

وسألتنى وهى باسمة :
ـ ولماذا تعيش فى الريف ..؟
ـ ما من ذلك بد .. جئت مضطرا بعد وفاة والدى .. وكنت أود أن أدير شئونى وأنا فى المدينة .. ولكننى وجدت أن ذلك مستحيل .. فأنا أسرق وأنا موجود من حراس الزراعة ومن الفلاحين ويضيع ربع المحصول .. فكيف إذا غبت عنهم ..

ان الفلاح يعتقد أننا نأخذ منه قوت عياله .. وهو على حق فى اعتقاده لأنه يشقى .. ويفلح الأرض ويعمل طول السنة .. ونحن لانعمل أى شىء ونستولى على المحصول . فهو مظلوم من مئات السنين ويحس بالظلم أكثر عندما يرى غرسه يذهب لغيره .. وبشعور الظلم هذا يسرق ويقتل ويفعل كل ما ينفس عن هذا الظلم .. وعندما جئت إلى هنا منذ عشر سنوات حاولت أن أكون عادلا ، فأعطيت الكثير منهم فدانين وثلاثة .. ليزرعوها لأنفسهم نظير ايجار معقول .. وبذلك يحسون بكرامة الإنسان ..
ـ ولماذا لم تتزوج .. أما زلت تكره النساء ..؟
ـ فى الواقع لايوجد سبب معقول .. وقد أكون استطبت هذه الحياة .. والآن فات الأوان ..
ـ لماذا ..؟
ـ هذا هو احساس الرجل بعد سن الثلاثين ..
ـ ولكن الزواج قبل هذا حماقة ..
ـ الرجل يتزوج فى سن العشرين فى الريف .. فإذا ضاعت منه الفرصة فى هذه السن .. فاته القطار ..
ـ ولكنك فى أنسب سن الزواج ويجب أن تتزوج ..
ـ ولماذا تصرين على زواجى ..
ـ لأنى أخشى عليك من الخمر .. والقمار .. أخشى عليك من الدمار ..
ـ ولماذا لاأسكر وأشرب وأنا متزوج ..؟
ـ لأنك لن تشعر بالفراغ .. ولا بالتعاسة التى يخلقها الفراغ المطلق للإنسان .. عندما يكون فارغا يدور حول نفسه .. ولكن عندما تتزوج ستشعر بعظم الحياة ولذة الكفاح لإسعاد أسرة ولاتجد لحظة لتفكر فى نفسك .. تعيش لغرض أسمى ..
ـ ألم يلعب زوجك القمار ..؟
ـ لو كان مقامرا أو سكيرا لقتلته .. ان المرأة تكره هذين كرهها للشيطان ..
ـ ولهذا تكرهيننى ..!
ـ اننى لا أكرهك ..
ـ ولا تحبيننى كما ..
ـ باستا .. باستا ..

ولا أدرى لمـاذا اختـارت هـذه الكلمة الإيطالية وخرجت مسرعة ..

***

وذهبت إلى العزبة لأدخل الغلة فى الشونة .. وأقمت فى عريشة ..

وكان النهار يمضى مملا محرقا وليس فيه حركة .. وفى الأصيل كانت تبدو الحركة .. تخرج الطيور لالتقاط الحب والأغنام ترعى .. والجاموس والأبقار والجمال تتحرك فى الحقول .. والنساء يذهبن إلى النيل لملء جرارهن .. وكانت طريقهن بجوار العريشة .. ولكنهن لاحظن وجودى فغيرن الطريق إلى أبعد .. فإن وجودى فى العزبة كان يقيد من حريتهن ..

وفى الصباح كن يذهبن .. لملء الجرار قبل أن تطلع الشمس وكنت أراهن راجعات من النيل ، وأرى واحدة فى كل سرب وقد ابتل ثوبها والتصق بجسمها ، فأعرف أنها نزلت فى النيل لتستحم وهى لابسة جلبابها الوحيد ..

وكنت أرى تقاطيع هذه الأجسام جميلة طبيعية تبدو فى نضارتها وفتنتها ، وأشعر بلسعة كأننى اكتويت بالنار ..

وكنت أتمشى ذات يوم بعد الفجر على الطريق الزراعى الضيق المؤدى إلى الشـاطىء ، ولمحـت من بعيـد ثلاثا من النسـاء يمـلأن " البلاليص " وقد شمرت إحداهن عن ساقيها وفخذيها .. وحلت شعرها وخلعت جلابيتها السوداء وبقيت فى قميص .. وأخذت تدعك ساقيها وفخذيها بالصابون ، وبصرت بى إحداهن .. فحدثت زميلتيها ، فظهر الذعر عليهن جميعا وغصن بملابسهن فى الماء ..

وتراجعت آسفا ضاحكا ولم أذهب إلى هذا المكان مرة أخرى ..

وعندما انتهيت من نقل الغلة إلى شونة بنك مصر رجعت فى الليل إلى حانة المحطة .. وطلبت من أتينا أن توقظنى قبل قطار الركاب فى الساعة الرابعة صباحا ..
فقالت :
ـ ولماذا تنام .. ابق صاحى أحسن ..
ـ سأنام ولو ساعتين .. وأرجو أن ألحق القطار ..
وبعد ساعة جاءت ضاحكة ونادتنى ..
ـ يا سيد ابراهيم .. اصح الساعة قربت على الرابعة ..
ـ كم الساعة حقا ..؟
ـ نصف الليل ..

كانت واقفة على العتبة وممسكة بيدها اليمنى مصراع الباب من أعلى وواضعة خدها على يدها .. وثانية رجلها اليمنى .. نصف مسترخية ونصف حالمة ..
فقلت لها وأنا مسرور بجمالها :
ـ ما أحلاك الليلة ..
ـ ألأنى أيقظتك .. تقول لى هذا الكلام ..
ـ لم أنم ..

واستويت على أرض الغرفة .. ورأيت النيل تبدو صفحته تحت ضوء القمر .. ومركبا واحدا يسبح ضد التيار ..
وقلت لها :
ـ اننى كلما رأيت مركبا على النيل .. تخيلتك معى هناك .. ولا أحد سوانا ..
ـ هل أعمل لك شاى ..؟
ـ هل فى كلامى ما يسوء ..؟
ـ لا .. ولكن ما هى النتيجة ..
ـ وهل من الضرورى أن يكون لكل شىء نتيجة ..
ـ هذا ضرورى .. بالنسبة لإحساسى كأنثى ..
على أى حال أنا أعتبر نفسى سعيدا .. سعادة لا تقدر ..
ـ لماذا .. من الغريب طبعا .. أن تصادف امرأة شابة مثلى فى حانة وتجد شبه فندق فى هذا المكان .. فى قلب الصعيد .. وأنا نفسى تساءلت لماذا اختار مخالى هذا المكان المقفر ليجعله مورد رزق له .. ثم علمت أن سوق القرية كان قريبا منه عندما اختار هذا المكان .. ثم انتقل السوق إلى ضفة الابراهيمية القريبة وبقى مخالى هنا ، على أى حـال لقـد أصبح كهلا .. ويريد أن يستريح ، لقد أدى دوره فى الحياة ..
ـ وأنت ..؟
ـ لقد انتهى دورى قبله .. وأسدل الستار ..
ـ انك شابة جميلة .. وأمامك الحياة الضاحكة بكل ما فيها من سعادة ..
ـ انك لاتفهم شعور المرأة عندما يموت زوجها وهى صغيرة .. ويكون هو شابا مثلها .. يصيبها خدش طويل كهذا الذى تراه على لوح من البللور ..
ـ هل كنت تحبينه ..؟
ـ إلى درجة العبادة .. كان شابا مثلك .. طويلا قويا .. وكان يكسب .. وكله أمل فى المستقبل .. ولكنه ذهب .. كالحلم .. ما من شىء يبقى فى الحياة ..
ـ اننى أفكر فى الذهاب إلى القاهرة لأقضى عشرة أيام بعد أن انتهيت من القمح .. فهل تذهبين معى ..
ـ لا ..
ـ لماذا ..؟ لأننى مصرى أولا وريفى ثانيا .. وستشعرين معى وأنت أجنبية بأنك غريبة عنى ..
ـ هل من الضرورى أن أقول لك أننى بقيت عند مخالى .. لأنك جئت وليس لأننى أستطيب الحياة هنا ..
ـ أعرف أنك مستريحة لوجودى ..
ـ لماذا إذن تكثر من الكلام ..
ـ لأننى أحببتك من أول لقاء ..
ـ باستا .. باستا ..
وخرجت ضاحكة ..

***

وذات ليلة عدت من العزبة متأخرا وقبل أن نقترب من المحطة .. دوى الرصاص قربنا .. وعرفت أنا والخفير الذى معى أن اللصوص سرقوا ماشية من الحقول .. وأحس بهم خفراء النقطة .. فاشتبكوا معهم فى معركة حامية .. ولا أدرى من الذى أشاع أننى قتلت .. فقد خرج الفلاحون بسلاحهم لملاقاتى .. وعندما وجدونى حيا .. التفوا حولى يهنئونى .. وانصرف الناس .. وبقيت فى الحانة مدة ساعة .. وجاء مخالى والمدام .. مسرورين .. بحياتى .. ولكن لم أر أتينا .. فتألمت وتصورتها سافرت .. ولكن عندما صعدت لأنام .. وجدتها واقفة وحدها فى الظلام على بسطة السلم ، وعندما اقتربت منها ارتمت على صدرى وشدتنى إليها وهى تبكى دون صوت ..
وقلت لها هامسا :
ـ اتركى باب غرفتك مفتوحا الليلة ..
فقالت وهى تمرغ خدها على لحمى :
ـ فوق .. فى السطوح .. أحسن ..
ولم أنم ، وبعد نصف الليل جاءت حافية ترتدى قميصا واحدا .. وطلعنا إلى السطح .. ولم نجد أى شىء نفرشه على التراب .. فخلعت قميصها ..
وسألتنى وأنا أمسح بيدى على شعرها :
ـ ألم تحب .. قط ..؟
ـ قبلك .. لأ ..
ـ وهل بيننا حب ..؟
ـ جنون ..
ـ تقول هذا الآن لأنه مضى عليك شهر وأنت بعيد عن المدينة .. وعن النساء .. ولكن عندما ترجع إلى هناك ستنسى .. تنسى كل ما حدث ، أنك تحب الأرض التى تزرعها .. ولا شىء غير ذلك .. وأنا لست عندك أكثر من بقرة .. فلا تخدعنى ..
ـ وهل أنا ملتصق بالأرض إلى هذا الحد ..؟
ـ ولكنـك التصقت بها .. وكل النـاس يتحدثون عنك .. كفلاح .. يعيش للأرض .. لأنها تعطيك أكثر من أى شىء آخر فى الحياة ..
ـ وهل يمنعنى هذا من الحب ..؟
ـ حب ريفية مثلك ..
ـ يعنى أقطع الأمل إلى الأبد ..
ـ أنا حبيبتك ما دمت هنا ..
ـ إذن سأظل هنا حتى الموت ..
وشعرت بها تمسح بشفتيها على جرحى .. وسألت :
ـ هل تتألم من هذا الجرح ..؟
ـ انه مات ..
ـ آسفة .. كنت أحب أن أولمك ..
ـ بأسنانك ..
ـ وبأظافرى .. أريد أن أجعلك تدمى .. هذا شعور غريب .. ربما لأنك أقوى .. ولأنك رجل .. لا أعرف ..
وظللنا نتناجى حتى طلع القمر ..

***

وفى الليلة التالية .. قمت فزعا من نومى على صياح فى الحانة .. ثم تبينت صوت توفيق أفندى .. ثم صوت حسن عبد المجيد .. وعلا الصياح فنزلت مسرعا .. ووجدت توفيق أفندى يستعطف ويبكى وهو فى حالة يرثى لها .. فقد خسر عشرين جنيها .. ولم تكن نقوده ، وإنما كانت ايراد المحطة .. وقال لهم وهو يبكى أنه سيسجن .. وتوسل إليهم أن يعطيه كمبيالة بأى مبلغ نظير أن يرد إليه نقود الحكومة ، وكان يخاطب عبد الجواد أمين الشونة لأنه هو الذى كسب منه المبلغ .. ولكن عبد الجواد لم يستمع إلى رجاء .. وتدخلنا جميعا ولكنه أصر على عدم رد مليم واحد .. وهنا ثار حسن عبد المجيد .. ووقف يزأر :
ـ أعطه الفلوس .. طلعها من جيبك حالا ..
ـ بأى حق ..؟
ـ لأنك لص وغشاش .. وحقير .. ومرتشى .. وكل الناس تعرف عنك هذا ..
ـ أنا يا كلب ..
ـ أنا كلب يا حرامى ..؟ خد ..

وأخرج حسن مسدسه سريعا وأطلق النار .. وسقط عبد الجواد صريعا .. وبين دوى الرصاص والصياح والذعر .. ظهرت أتينا على الباب وكنت منحنيا على عبد الجواد فحسبتنى أنا الذى أصبت .. فجرت وارتمت على صدرى ..

وفوجىء الحاضرون وأخذوا بهذا المنظر .. حتى نسوا من فرط الدهشة القتيل الذى سقط منذ لحظة ..

====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل فى 27/6/1955 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى
بعنوان ....." و قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
====================================



الفرقة الأجنبية
قصة محمود البدوى


قبل سنوات كان الفلاحون فى الريف يحسون بالفراغ .. ولم تكن فى معظم عواصم المديريات دار واحدة للسينما .. ولاشىء للتسلية واللهو .. وكانت كل هذه الأشياء مركزة ومجمعة فى القاهرة .. فإذا حدث ورحلت فرقة تمثيلية صغيرة .. من قلب العاصمة وحطت رحالها فى مدينة .. المنيا .. أو سوهاج .. استقبلها الناس بحرارة لاحد لها .. حتى وإن كانت من أحط الفرق الجوالة على الاطلاق ..

وكان الخواجه " اسناسيو " يملك فندقا كبيرا فى مدينة أسيوط مجاورا للمحطة .. وفى هذه المنطقة تتجمع كل الفنادق والمقاهى التى فى المدينة .. ويشتد بينها الصراع ..

وكان الخواجه " اسناسيو " يعمل بعقل ذكى على راحة النزلاء ويجدد فى الفندق ويبتكر وسائل للتسلية ، فكان فندقه من أشهر وأحسن الفنادق فى المدينة ..

ويستيقظ نزلاء الفندق ذات صباح على صوت أنثى .. تتكلم باللهجة " المصرية " الناعمة وتضحك وفى يدها السيجارة .. ويرون القميص الذى يضم صدرها ينشق عن مثل المرمر .. والساق منثنية إلى جانب وعارية .. فيعرفون فى الحال أن فرقة أجنبية جاءت من القاهرة فى قطار الليل ..

وتكون الفرقة فى الغالب مغمورة وقضت فى العاصمة .. ستة أشهر على الأقل فى تعطل مر .. وليس من بين أفرادها اسم واحد رددته الصحف .. ومع هذا كله .. فبعد ساعة من وصولها يتدفق الناس على الفندق كالسيل ..

***

وفى الليل يبدأ عمـل الفرقة .. ويظل الرقص والموسيقى إلى الصباح .. وتأتى وفود العمد والأعيان من ملوى وديروط وكل المراكز البعيدة والقريبة .. ويصبح من المألوف جدا أن تقف عربة كبيرة على باب الفندق .. وترى على رفوفها غبار السفر .. وينزل منها أحد كبار الأعيان .. ويكون ضخما فى الغالب ويرتدى الكاكولة السمراء والقطنية البيضاء ذات الخطوط السوداء الرفيعة .. ويندفع توا إلى الداخل .. وهو يحيى الموجودين .. ثم ينزل بعده ستة من التوابع ، أربعة منهم مسلحون على الأقل .. ويجلس اثنان بالبنادق على الباب .. ويدخل الباقون ..

وتركز عيون الرجال جميعا .. على شىء واحد .. فى الفرقة .. شىء عجيب فى نظرهم .. راقصة .. تركية .. أو شركسية .. أو مصرية أو " منصورية " .. راقصة واحدة تنسيهم رائحة الدريس .. وعليـها يدور الصراع .. وتدور الكئوس .. وتفرغ زجاجات الشمبانيا .. وتحرق أوراق البنكنوت من كل الأحجام .. لإشعال سيجارة لها .. وتكون هى فى الغالب لاتدخن على الاطلاق ..

كانوا يبيعون القطن وينثرون ذهبه تحت أقدام الغوانى والراقصات ومن ورائهم يزحف بنك الأراضى والبنك العقارى ناشبا مخالبه ..

***

وفى خلال السنوات الأربع التى قضيتها فى فندق " ديانا " لم أشعر بأى ملل على الاطلاق ..

وكنت أول من ينهض من الفراش فى الصباح .. وأنزل إلى حديقة الفندق الصغيرة لأنظر وأشرب القهوة وأطالع الصحف التى وردت فى قطار الليل .. قبل أن أذهب إلى عملى فى تفتيش الرى ..

وذات صباح رأيت شابا نحيفا فى الثالثة والعشرين من عمره قد سبقنى إلى الحديقة .. وجلس يشرب الشاى ، وكانت تبدو عليه الوداعة ، ثم أقبلت فتاة من داخل الفندق وجلست بجانبه .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. ولاحظت أنها شديدة الخجل فبمجرد أن لمحتنى جالسا عن قرب تضرجت وجنتاها .. وكانت بيضاء طويلة وجسمها تبرز تقاطيعه فى تناسق مع الفستان الذى تلبسه .. ولمح الشاب " جارسون " اللوكاندة واقفا هناك على باب الحديقة ، فصاح فيه :
ـ من فضلك .. صحى الجماعة اللى فوق .. جعنا ..
ـ حاضر ..

وبعد نصف ساعة كانت الفرقة كلها تتناول الافطار بجوارى .. وكانوا يتحدثون عن رحلتهم .. فى بنى سويف والمنيا .. ويكثرون من الضحك ويتندرون على الفلاحين البسطاء ..

ولاحظت من وجوههم وهندامهم ، أنهم من فرق الدرجة الثالثة ولكنهم كانوا يضمون إلى مجموعتهم فتاتين من أجمل من رأيت من النساء .. وكان لإحداهن جسم شفاف كالبللور .. ينثنى ويلف كالخيرزان ..

***

وفى الساعة الحادية عشرة صباحا ، رأى الناس الموسيقى فى المدينة لأول مرة تعلن قدوم الفرقة .. وكان على رأسها " بلياتشو يلبس طرطورا " .. ويرقص ـ وهو سائر ـ حاجبيه .. ويكتفى بهذه الحركة عن عمل أى شىء آخر ..

وفى الليل بدأ الغناء ودار الرقص .. ومثلت رواية مضحكة اشترك فيها الجمهور .. وسمعت وأنا جالس فى بهو الفندق الغناء .. ورنين الصاجات .. ونقر الدف .. ولكننى لم أشاهد التمثيلية ، وحوالى الساعة الثانية صباحا انفض السامر .. والتف الأثرياء حول موائد الشراب .. ورأيت جماعة منهم هناك فى زاوية من القاعة .. ومعهم الفتاة التى كانت ترقص فى السامر .. وهى الفتاة التى شاهدتها فى الصباح مع الشاب فى الحديقة .. جلست فى أول الأمر منكمشة خجلى لاتفهم بعض كلماتهم الصعيدية ثم شربت معهم وأكلت وأخذت تضحك ، وجلسوا حولها حلقة يشعلون لها السجائر بأوراق البنكنوت .. وابتدءوا بالجنيه .. والعشرة .. وهم يضحكون .. ولكن اسماعيل " بك " كتم أنفاس الحاضرين فجأة فقد أخرج بهدوء من جيبه ورقة بمائة جنيه .. وأشعل بها السيجارة للفتاة ..

ورأيت دخان الورقة الأزرق .. يصعد إلى خياشيم الفتاة .. ثم رأيت الرماد يسقط على الأرض ..

وفى غمرة الانتصار ونشوته .. وقفت الفتاة منتصبة .. ورأيت عواطفها كلها تذوب .. كأنها تود أن تحتضن الرجل وتقبل وجناته ..

ثم غالبت نفسها وعادت إلى كرسيها وفمها يتموج راقصا بالضحك ..

***

ولما صعدت لأنام سمعت صوت اسماعيل " بك " ورائى .. فقد كان يقيم فى الطابق نفسه .. وفى غرفة مجاورة لغرفتى ..

ولما أدرت الأكرة وحركت الباب .. رأيت على الضوء الخافت ، ضوء سيجارة هناك فى الممر .. فتوقفت ومددت بصرى ، فرأيت الشاب الذى كان فى الصباح يشرب الشاى فى الحديقة .. جالسا هناك فى العتمة .. فى نهاية الممشى كأنه فى انتظار رفيقته ..

وفى عصر اليوم التالى شاهدت من نافذة غرفتى .. الموسيقى عائدة من جولتها فى المدينة .. وكف العزف .. ودخل البلياتشو من باب الفندق وهو ينزع القناع .. ورأيت وجه الشاب رفيق الفتاة الراقصة ..

وقبل الغروب نزل إلى الحديقة .. وكان قد اغتسل ولبس البدلة التى شاهدته فيها فى اليوم الأول .. وحيانى وجلس جانبا يطالع بعض الصحف ..

وسمعت الفتاة الراقصة تناديه من فوق .. وكان مستغرقا فى المطالعة فنبهته .. فرفع وجهه إليها ..
ـ رءوف .. اطلع ..
فهز رأسه .. وعادت تلح وتناديه ..
فطوى صحيفته .. وصعد إليها ..

وعاد بعد فترة وجيزة منفعلا وعلى وجهه الغضب وجلس ساهما على المقعد نفسه .. ونزلت الفتاة بعد قليل .. وكانت متأنقة .. ومتعطرة .. وترتدى رداء محتشما سابغا .. كأنها عذراء من الريف .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. وكأنها تناجيه .. حتى رأيت وجهه يعود إلى هدوئه .. وانفتأ الغضب ..
ثم نهضا .. واتخذا طريق النيل ..

***

وبعد آذان العشاء .. خرجت لأجول فى المدينة .. ولما رجعت إلى الفندق فى الساعة العاشرة مساء .. كان الرقص دائرا فى القاعة الداخلية .. وكان رءوف جالسا وحده .. تحت مدار السلم وقد مال رأسه على صدره .. وتنبه على وقع أقدامى .. فرفع رأسه .. وحدق في مليا ثم سدر ..

وجلست قريبا منه أتعشى وأنا أسمع صوت الأنغام .. ولما دعوته للطعام اعتذر وقال لى :
ـ اعتدت أن أتعشى مع مديحة بعد أن تنتهى من رقصتها وستأتى حالا ..
ولكنها لم تأت ..

وانقضت ساعتان هكذا وهى تضحك مع الرجال فى الداخل .. وهو يسمع ضحكها من مجلسه ويتلون وجهه بكل الألوان .. وقد عجبت من تصرفه وشذوذه ، يصاحب راقصة ثم يغار عليها .. وسمع ضحكة حادة منها فابيض وجهه .. وكان أمامه كوب من الماء .. فرفعه إلى فمه .. ويده ترتعش .. ولا تقوى على حمل الكوب .. ولاحظت .. أن حاجبيه يرقص رقصة واحدة شديدة فى كل خمس .. أو ست ثوان ..

وظل يدخن وينفض الرماد ثم نهض وصعد إلى فراشه ..

وسمعت صياحا .. عاليا .. يأتى من الداخل .. وأزحت الستارة ووقفت أشاهد مديحة وهى ترقص بالصاجات وينثنى جسمها كالثعبان وكانت وسط نفر قليل من الرجال لايزيد على خمسه .. ولم يكن من بينهم اسماعيل بك ..

وكان الدخان يملأ جو المكان .. ومديحة ترقص على نقر خفيف .. للدف .. ولايوجد عود ولاناى .. ودار جسمها دورات ثم أسبلت عينيها وهى تتأوه .. حتى اقتربت من " كنبة " .. فجلست تستريح وحبات العرق تتساقط كاللؤلؤ من جسمها العارى ..

ثم انتصبت وأمسكت بثوبها وهى تقول :
ـ كفاية .. بأه .. أحسن مسافرين بكره .. بدرى ..
وصعدت السلالم وحدها ..

ولما ذهبت لأنام بعد ذلك بنصف ساعة .. وجدت نور الغرفة التى اعتـادت أن تنام فيها مع الشاب مطفأ ولم أسمع صوتا هناك ..! وغفوت .. ثم تنبهت على صوت اسماعيل بك فى الغرفة المجاورة .. ولما رفعت رأسى عن الفراش وجدت فى غرفته ضوءا خفيفا .. وكان الصوت الذى سمعته قد انقطع ولكنه عاد أشبه بالهمس .. فتحركت من فراشى .. وفتحت الباب .. فوجدت بابه مواربا واستطعت أن أرى مديحة وهى ترقص عارية فى زاوية من الغرفة دون صوت وكأنها نائمة واسماعيل بك يتربع أمامها وفى يده الكأس وعيناه نصف مغمضتين والدخان يملأ جو الغرفة ..

وخشيت أن ترانى .. فعدت إلى غرفتى .. وتمددت على السرير ..

***

وفجأة دوت طلقات مزقت السـكون .. وجريت على صوت النار ، فوجدت مديحة ساقطة فى مكانها .. واسماعيل بك .. قد تدحرج بجوارها على الأرض ..

وكان رءوف على الباب .. وفى يده المسدس ..
ولما تناولته منه .. سلمه دون مقاومة ..
ـ لن يقتلونى هنا ويمزقونى .. بالسكاكين ..
ـ لا .. لن يمسك بك أحد حتى يأتى البوليس ..
وأغلقت الباب من الداخل ..
وأمسك بى وأخذ يهذى :
ـ حضرتك محام .. اعمل معروف .. خلصنى .. أنا مريض .. أنها زوجتى .. ولقد تزوجتها وهى راقصة لتكون لى وحدى .. ولم تكن هكذا كانت أشبه بالعذراء .. وقد عملت بلياتشو فى الفرقة .. لأكون معها فى الليل والنهار .. أنا مريض .. مريض بالأعصاب .. ولا أستطيع أن أقوم بأى عمل .. عندما كنت فى بطن أمى .. أتهم والدى فى جريمة قتل وسجن وكان الناس جميعا يعرفون أنه برىء .. ولكنه بقى فى السجن ثلاث سنوات ، ولما صدر الحكم أخيرا بالبراءة .. كان قد ضاع ، وتمزقت أعصاب أمى ، وقد ورثت منها هذه الأعصاب ، أنا غير مسئول ، أنا مريض .. ولن تتركنى .. وحدى .. أنت شاهد .. وأنا مريض .. مسكين ..

وأطرقت برأسى وأنا مدرك أننى لاأستطيع أن أفعل شيئا لهذا الشاب ورحت فى دوامة من الخواطر ، وفى خلال تلك الدوامة خيل إلىَّ أننى أسمع رنين الصاجات .. وأرى جسم مديحة .. الشفاف كالبللور وهو ينثنى ويدور .. برقصة بكر .. وخيل إلىَّ أنها ترقص لى وحدى رقصة جديدة .. لم ترقصها من قبل لإنسان ..

=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب فى 1/2/1957 وأعيد نشرها بجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان "
حارس البستان " وفى مجموعة " قصص من القرية" ـ مكتبة مصر ط 2006
=================================





الخنزير
قصة محمود البدوى

اشتغلت فى غمرة الحرب العالمية الثانية فى شركة البحار السبعة للتأمين البحرى ، وهى شركة كبيرة لها فروع فى معظم الموانىء المصرية ، وكان مكتب الشركة فى بور توفيق .. وتشغل الشركة خمس أو ست حجرات فى طابق أرضى على شاطىء البحر .. وكانت غرفتنا تطل على القنال ..

وكنت فى حجرة صغيرة مع أربعة آخرين فيهم مصرى آخر وفتاتان أجنبيتان .. وكان العمل فى الشركة يسير منتظما وسريعا .. ولكن الإيراد قل بسبب الحرب ، والمراكب تحولت عن القناة ودارت حول رأس الرجاء الصالح .. ومع ذلك كنا نعمل فى الصباح وبعد الظهر ..

وكان رؤوف " بك " مدير الشركة فى السويس رجلا ضخم الجسم ، مدور الوجه ، أصلع الرأس ، حاد النظرات ، صارما ، عابس الوجه أبدا من أصل تركى ، وكان يكره المصريين ويحتقرهم ..

وكان يقرأ فى الصحف ويسمع الراديو ، وهو يذيع غرق البواخر فيثور .. ويصب نقمته علينا .. وكان يجىء فى الساعة التاسعة صباحا من كل يوم ومعه كلب أبيض .. وكان منزله قريبا من الشركة ، فكان يقطع هذه المسافة مشيا على الأقدام .. وكان الكلب يظل معه فى المكتب ساعة أو أكثر .. ثم يدخل علينا به .. ويشير على واحد منا بأن يعيده إلى البيت ..

وكان فى المكتب فراشون وسعاة .. ولكنه كان يتعمد أن يكلفنا بهذا العمل ليذلنا . وكان يدخل علينا المكتب مرة أو مرتين فى اليوم ، ولم نكن نشعر به اطلاقا وهو داخل ، كان كأنه يزحف بجسمه الضخم على بطنه ، ولم يكن يسمع لصوت أقدامه حس ..

وكان مع جهله وغبائه ، يسمعنا كلاما موجعا .. ويحب أن يرى كل واحد مكبا على عمله .. وكان ينتقد كل ما نقوم به من عمل ، وكنا نكرهه ونود أن تبتلعه الأرض ، كما كنا نكره الكلب الذى يذلنا به أكثر من صاحبه ، وكان يسكن فى فيلا أنيقة من طابقين .. ومتزوجا من صبية أجنبية لا تتجاوز الثلاثين ربيعا ، وكان لمنزلهما حديقة أنيقة تحيط بها مناظر غاية فى الروعة ..

كان المدير متأنقا فى ملبسه وله كرش ضخم يزحف به إلى الأمام .. يجيد كل اللغات ويذهب إلى نادى الجعران كل ليلة .. وهو ناد أرستقراطى .. يذهب إليه ليرقص ويلعب القمار ويتظاهر هناك وسط الفرنجة بوجاهته وغطرسته ..

وكانت زوجته تذهب معه أحيـانا ، ولكن غالبا ما كانت تبقى فى فيلتها الأنيقة ، أو تخرج بزورقها الصغير فى عرض البحر للنزهة . وكانت " اسبور " أنيقة حالمة ، وكانا يعيشان معا شبه منفصلين ، فقد كان لكل منهما هوايته فى الحياة ..

هو مقامر فظ الطباع ، يحب المجتمعات .. وهى منفردة وادعة ، تحب الطبيعة ومجاليها الرائعة .. تجلس فى النهار فى حديقة منزلها تطالع أو ترسم بعض اللوحات الفنية ، وفى الغروب تخرج بزورقها فى عرض البحر ..

كنت إذا رأيتها فى وسط الزورق وهى واقفة عند الدفة ، وقد حلت جدائل شعرها ، واستقبلت الشمس الغاربة بوجهها ، تحسبها حورية خارجة من البحر ..

***

وكنا نمضى الأيام فى حياة رتيبة فى بور توفيق والسويس .. والحرب دائرة على أشدها .. وهزائم الإنجليز تترى فى كل مكان ، وجنودهم فى الموانىء المصرية مذعورين كالجرزان .. يصخبون ويعربدون .. وكلما توالت هزائمهم اشتد ضجيجهم وصخبهم وهم يسكرون ويمرحون فى المدينة ..

وكانت الفتاتان اللتان تعملان معنا فى المكتب قد انطلقتا مع هؤلاء الجنود وصحبت كل واحدة فى نزهتهـا أختهـا الصغرى والكبرى ..
وأحيانا أمها ..! كان كل شىء يدور فى طاحونة مادية ..

كان الناس يعيشون بحسهم ويلمسون أوراق البنكنوت بأيديهم ، وهم يحسبونها كل شىء فى الحياة ..

***

وكنت أذهب إلى منزل مدير الشركة وأحمل إليه بعض الأوراق ، أو أحادثه فى بعض الشئون ، وكان دائما يحب أن يظهرنا أمام زوجته فى مظهر العبيد .. وكنا نتحمل هذه الاهانة بغيظ مستعر ..

وكنت أراها صباح كل يوم وأنا ذاهب إلى المكتب جالسة فى حديقة منزلها فأحييها ، وكانت ترد تحيتى باسمة ..

ومضت الأيام رتيبة مملة ، وكنت أسكن فى شقة صغيرة فى بور توفيق ، وندر ما أذهب إلى السويس ، وكان الظلام يلف المدينة فى وشاحه الأسود فى الليل ، والهدوء المطلق المخيم عليها فى النهار ، وكنت أقضى النهار فى المكتب ، وبعد الغروب أتمشى فى المدينة ثم أذهب لأنام .. وكنت أمشى دائما على شط القنال حالما مفكرا ..

كان كل شىء يدل على أن هذه الحرب ستطول ، وأن هذه المجزرة البشرية ستنتهى على أبشع صورة .. وكان وجود هؤلاء الذين يسمون أنفسهم جنود الحلفاء فى هذه المدينة ، وفى غيرها من المدن المصرية ، يحملنى على الغيـظ المسـتعر .. ومنظرهم يبعث القرف إلى نفسى ..
وكنت أتمنى هزيمتهم على أبشع صورة .. انهم يمثلون الظلم والاستعباد والفساد بكل صوره البشعة ..

وكنت أتمشى ذات ليلة على شط القنال كعادتى عندما لمحت زوجة مدير الشركة واقفة بزورقها على بعد قليل منى ، وكنت أود لو أغير طريقى ، ولكنها رأتنى وهتفت بى فى صوت حلو .. فاقتربت .. وكانت واقفة فى وسط الزورق وقد ألقت مرساه إلى الشاطىء .. وكانت ترتدى بنطلونا أزرق وقميصا قصير الأكمام .. ووجهها يلمع وعليه آثار عرق كأنها كانت تعانى جهدا مضنيا ..

وقالت وعيناها مصوبتان إلىَّ :
ـ مراد أفندى ..
ـ نعم ..
ـ اللنش تعطل ..

واقتربت من الزورق صامتا دون أن ألقى نظرة عليها ، وحاولت إدارة الماكينة فلم أستطع ، فقلت لها وأنا يائس :
ـ خليه إلى الصباح ..

وخرجت من الزورق ولامست أقدامها الأرض المعشوشبة .. وتسلقت المنحدر ، واستوت على الطريق ..

وعلى رأس المنحدر سمعتها تنادينى ، فتقدمت نحوها ..
ـ تعال روح معايا .. أنا خايفة ..
ـ خايفة ..؟
ـ أجل .. من الظلام .. ومن الجنود السكارى .. أرجوك ..

ومشيت معها .. وكان الظلام رهيبا حقا .. ولم يكن هناك شىء يسمع والساعة تقترب من الثامنة مساء .. والطريق الطويل الذى يطوق المدينة قاتما موحشا ، وهى تسير بجانبى صامتة .. وترمينى بين فينة وأخـرى بنظرات جانبية طويلة .. وكنت أرى عينيها تلتمعان فى الظلام ، ووجهها يلمع بوضوح فى الليل الساكن ..

كانت طويلة القامة رشيقة الحركة .. وكان جسمها لينا مرنا ، وحركتها رشيقة ، وبدا لى وأنا سائر بجوارها أن أرى أينا أطول فاقتربت منها حتى كاد يلامس كتفى كتفها .. وقبل منزلها بشارعين .. توقفت وهممت بالانصراف ..
قالت :
ـ تعال لغاية البيت أرجوك ..
وألحت .. فرفضت ..
ـ أنت خايف منه ..؟
ـ طبعا ..
ـ هل يخيفك هذا الثور ..؟ انه لاشىء فى نظرى ..!
ـ ولكنه فى نظرنا كل شىء ، انها لقمة العيش ، وأنت لاتعرفين الفقر أو الجوع ..
ومدت يدها .. وقالت بصوت حلو :
ـ شكرا ..
وسلمت عليها وانصرفت وابتلعنى الظلام ..

***

وكنت كلمـا ذهبت إلى منزلها لبعض العمل استبقتنى لتتحدث معى .. وكانت تكلفنى ببعض أعمال صغيرة ، وتسر جدا عندما أقوم بها على وجه سريع ..
ومضت الأيام ..

وذات مساء .. رأيتها خارجة بالزورق فى عرض البحر ، ولما شاهدتنى من بعيد .. أشارت إلىَّ بأن أقترب .. ولما اقتربت منها ألقت بالزورق إلى المرساة ودعتنى إلى الركوب ..
فرفضت وألحت ..
فقلت لها :
ـ ان هذا جنون ..! قد يشاهدك أحد ..
ـ سأسير بالزورق إلى نهاية المدينة من الشمال وانتظرك هناك ..

ولم تسمع جوابى وسارت .. وتبعتها وأنا مدفوع بقوة لاقبل لى على ردها .. ووجدتها راسية هناك فى جوف الخليج ، فركبت بجوارها وسارت فى عرض البحر .. وبعد قليل أوقفت المحرك ، وقالت وهى تنظر إلىَّ :
ـ دعنا نتمتع بجمال الطبيعة المحيط بنا ..

ولم يكن هناك جمال حولى سواها .. وأشعلت سيجارة وزمتها بين شفتيها الحالمتين ، وكانت تعرف أننى لا أدخن ، ومع ذلك قدمت لى سيجارة فأشعلتها ، وأنا أنظر خلال الدخان الأزرق إلى أعماق عينيها وأغوار نفسها ..

وسألتنى وقد ألقت بنظرها بعيدا ..
ـ أتحب الحياة ..؟
ـ أجل ..
ونظرت فجأة إلى شىء أسود يطفو على الماء ..
ـ أنظر ..
ونظرت إلىَّ فى خوف ..
ـ لا تخافى .. انه حيوان القرش ..
ولكنها ارتعدت وارتمت على صدرى والتصقت بى .. وبعد برهة وجدت شفتيها تحت شفتى ، فضغطت عليهما فى عنف وغبنا عن الوجود ..

***

ومضى اسبوع كامل لم أرها فيه ، وانشغلت بالحياة وما يجرى فيها فنسيتها ..

وذات غروب كنت نازلا من سلم بيتى الصغير فشاهدتها مارة فى الشارع .. وانتظرت حتى اقتربت منها وسألتنى :
ـ أهذا بيتك ..؟
ـ نعم ..
ـ ما أجمله ..؟
ـ ..........
ـ أتقيم وحدك ..؟
ـ أجل ..
ـ غدا سأخرج بالزورق .. وانتظرك هناك ..
ـ أرجوك أن تعفينى من هذا أرجوك ..
ـ ألا تزال تخاف من هذا الخنزير ..
ـ طبعا ..
ـ انه ليس برجل على الاطلاق ، سأنتظرك غدا عند الخليج .. بعد الغروب ..

***

وترددت فى الذهاب ، ثم ذهبت أخيرا وكانت هناك .. وكانت لى بكل جسمها ونفسها ..

ولمحت وأنا خارج معها من الزورق شخصا يرقبنا عن بعد ثم يختفى فى الظلام ، وكان فى شكله ومشيته بعينه زوجها ، ولكننى كتمت ما رأيت عنها .. واضطربت ضربات قلبى ..
وودعتها وفى رأسى خواطر مروعة ..

***

وذهبت إلى المكتب فى الصباح وأنا أحاول أن أبدو طبيعيا ، واجتهدت أن أقرأ شيئا على ملامح الرجل يدل على أنه كان يراقبنا ليلة أمس .. ولكننى وجدته على حاله ، فأيقنت أننى أخطأت النظر واطمأن قلبى ..

***

وأخذت تجىء بعد ذلك كلما سنحت لها الفرصة ، وكنت أحذرها من مغبة هذا ، ولكنها كانت لاتسمع كلامى ..
وسألتنى مرة :
ـ أتحبنى يا مراد .. أم تنتقم منه فى شخصى ..؟
ـ أقول لك الحق .. أننى لا أعرف ..
ـ وظهر على وجهها الغضب ، وارتدت وشاحها .. وخرجـت معها إلى الباب الخارجى .. وفوجئنا ونحن نجتاز العتبة بزوجها فى أسفل الدرج ..

ونظر إلىَّ باسما ثم أخرج غدارته فى لمح البصر وصوبها .. وارتمت هى فى تلك اللحظة على صدرى ، فأصابتها الرصاصة وهوت إلى الأرض ، وأخرجت مسدسى وأطلقته سريعا وأطلق هو .. ورأيته وهو ساقط ..
وسقطت أنا على حافة السور مثخنا بالجراح ..

====================================
نشرت القصة فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " عذارى الليل " سنة 1956وفى مجموعة " قصص من القنال " ـ مكتبة مصر
====================================






نشرت القصة فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " فندق الدانوب " سنة 1941

امرأة أحلامى
قصة محمود البدوى

اعتدت أن أصيف كل عام عند سيدة أجنبية تقيم فى الرمل ، وكانت امرأة غربية الأطوار بادية الشذوذ ، تحيط نفسها وبيتها بجو من الهدوء المطلق، فلا تحب أن ينزل عندها أحد من المصيفين على الرغم من أنها كانت فى أشد الحاجة إلى المال ، وكان نفورها من جنس الرجال لاحد له ..

فقابلتنى فى أول الأول بمنتهى الحذر والتحفظ ثم أنست بى على ممر الأيام .. وكنت لا أرى طوال مدة إقامتى معها رجلا غيرى يدخل المنزل .. فهى تدع عند السلم الخارجى حقيبة صغيرة من القماش يلقى فيها باعة الخبز والخضار واللحم ما تحتاجه لطعامها .. فلا يراها منهم أحد ولا تراهم ..

وكانت غرفتى تطل على البحر وبعيدة عن غرفتها ، فكنت لا أراها ولا اسمع صوتها إلا نادرا .. بيد أننى كنت أسمعها تتحدث عصر كل أحد مع امرأة علمت أنها جارتها ، وأنها المرأة الوحيدة التى تزورها ..

ومرت الأيام وأنا لا أسمع إلا صوت المرأة وهى تناغى القطط ، أو تحادث نفسها .. !

وكان الهدوء الشامل الذى يخيم على البيت يحبب إلىَّ الإقامة فيه جانبا كبيرا من النهار والليل ..

فكنت أجلس فى الشرفة وأشرف على البحر، وأمتع بصرى بما يحيط بى من مناظر الطبيعة الخلابة .. وأنا لا أسمع فى أرجاء المنزل إلا دقات الساعة المعلقة فى البهو ، وهى تدق من حين إلى حين ..

وكان هذا الصمت يحملنى على التأمل ، وتوجيه نظرى إلى هذه المرأة لأعرف علة وحدتها المرة .. بيد أننى كنت كلما حاولت أن أجر لسانها إلى الكلام لعلى أعرف بعض حياتها ، وبعض سرها أرتد خائبا ..

فهى امرأة من طراز نادر فى الذكاء والحذر .. ومن اللواتى يقلن لك بأعينهن إذا ما تجاوزت معهن الحد فى الحديث إلى هنا ونفترق .. !

على أن هذا الكتمان كان له اثره السىء على أعصابها ، ووقعة المر على نفسها وجسمها ، فقد بدت عليها عوارض الشيخوخة قبل الأوان .. وثقلت عليها الوحدة فكانت تحتد وتشتد فى الكلام لأتفه الأسباب ..

وساء ظنها بالناس أجمعين ، فكانت تتصور أن خدم العمارة التى تسكنها يتآمرون على قتلها ، وأن إحدى الجارات مشتركة معهم فى تبييت الأمر وتنفيذ الجريمة .. !

وكنت أجاهد لأصرف ذهنها عن هذه الخواطر .. وأعرض عليها التنزة فترفض .. فلا تراها إلا محتبسة فى غرفتها مريضة النفس حزينة ..

لقد كان منظر هذه المرأة يبعث فى نفسى الشجن بأقصى ضروبه .. وكنت أسائل نفسى .. هل هى واحدة من اللواتى لهن ماض مروع ..؟ هل هى إحدى ضحايا الرجل .. ؟ ما معنى هذا الحزن .. وما سبب هذه الوحدة .. أليس لها أقرباء ؟ .. ما من رسالة وصلت إليها .. رسالة واحدة لم تصلها من إنسان طوال مدة وجودى فى بيتها ..

ولما رأتنى ذات يوم أكتب رسالة وأجعل العنوان بإسمها .. نظرت إلى فى أبتسام وقالت :
« إن موزع البريد لا يعرفنى .. فما حمل لى رسالة قط .. أجعل رسالتك على عنوان آخر .. »

كان صوت هذه المرأة الهادئ مشوب بمرارة تقطر حزنا ، إن قلبها يتفطر وجسمها يذوى على التدريج .. لا أنا ولا أحد من الناس يستطيع أن يفعل شيئا لأجلها الآن .. لقد خرج أمرها من يدنا .. إنها الآن تعيش لنفسها بكل ما تحمل هذه الكلمات من معان ، وحدبها على القطط لا يغير هذه الكلمات ولا يلونها بلون آخر ..

لقد اتجهت عاطفة الرحمة عندها إلى الحيوان بعد أن حرمت من الإنسان ، واتجهت اتجاها قويا فيه حنان أكيد وعطف شديد ..

لقد قمت ذات صباح من النوم فزعا على صوتها وهى تولول وتنوح .. فعلمت أن قطا من القطط قد مات .. واحداً من أبنائها .. كما كانت تنعت هذه الحيوانات دائما .. وأشهد أنى ما رأيت أحداً يبكى على ميت كما بكت هذه المرأة على قطها ..

* * *

جلست ذات يوم ، بعد أن تغديت ، على السرير لأستريح قليلا .. وحملت لى السيدة قدحا كبيراً من القهوة .. فأخذت أشرب وأدخن .. وكان معى كتاب من تلك الكتب القديمة النادرة الطبع التى أغرم باقتنائها ومطالعتها دائما .. إن هذه الكتب تحمل بين طياتها أسرار القرون وعبير الدهور ..

فتحت الكتاب وأخذت أطالع .. وكان باب الغرفة المؤدى إلى فسحة البيت مواربا .. فسمعت صوتا إنسانياً حلواً يرن فى البهو .. واستمر الحديث بين صاحبة البيت ، وصاحبة هذا الصوت الجديد مدة ..

وألقيت الكتاب وتسمعت .. كان صوتا جديداً يختلف عن صوت جارتها .. وانقطع الحديث وسمعت حركة أقدام تقترب من غرفتى .. لم تكن أقدام المرأة .. كان خطو هذه أسرع وأخف وأنشط ..

ووجهت عينى ناحية الباب ، ومر ظل أمام الباب الزجاجى الكثيف .. ظل امرأة طويلة القامة .. هذا هو كل ما استطعت أن أتبيته .. وكان الزجاج الكثيف ، والباب الموارب لا يسمحان لى بأن أرى أكثر من ذلك ..

ومر الظل أمام الباب أكثر من مرة .. كانت ذاهبة إلى المطبخ وعائدة منه ، وكانت تغنى فى رواحها ومجيئها بصوت أخذ بمجامع قلبى وأسر لبى ..

لم اسمع صوتا أحلى من هذا الصوت .. لم تكن تغنى بلغة أعرفها .. ولكن الصوت كان موسيقيا واضح النبرات لين المخارج ، حلو الرنين ..

وتحركت من فوق السرير ومشيت نحو الباب لأفتحه وأرى صاحبة هذا الصوت الجميل .. ولكن يدى وقفت على مقبض الباب لا تحركه .. رأيت أن هذا لا يليق .. وتبدل رأيى وتراجعت ... وملت إلى النافذة ، وأنا أرمى الجو بدخان سيجارتى .. والصوت يهفو إلى حلواً قوياً .. وبعد الصوت عن سمعى ثم أنقطع .. وأنطلقت أتمشى فى أرض الغرفة بخطى رتيبة ، مستعرضا الصور المعلقة على الجدران ..

***

عدت إلى البيت لأنام بعد منتصف الليل بقليل ، فألفيت غرفة صاحبة البيت مضاءة على غير عادة .. وسمعتها تحادث السيدة صاحبة الصوت الجميل الذى سمعته فى أصيل ذلك اليوم .. ووجدت أن يداً جديدة مرت على المنزل كله ، فغيرته ولونته بلون آخر ، وذوق آخر .. فقد رتبت الصور، وغير موقع الأثاث ، وغطى المصباح الذى فى غرفتى بالحرير الأزرق .. وفرش السرير بعناية ، وتغير كل شىء فى الغرفة ..

وشعرت عند دخولى فيها بجو أنيق ممتع .. ونمت نوما عميقا مريحا .. وأستيقظت مبكراً عسى أن أوفق إلى رؤية السيدة الجديدة .. وكنت أسائل نفسى هل هى نزيلة جديدة أم قريبة من قريباتها ..

ومرت أيام دون أن أشاهدها .. وكنت أسمع صوتها ، وحركة أقدامها ، وأرى نافذتها المفتوحة ، وغرفتها المضاءة .. هذا هو كل ما كنت أراه .. ولم أحاول غير ذلك ، وتركت لقاءها للمصادفات ، فإن الأقدار هى التى تربطنا بأناس لم يكن لقاؤهم فى الحسبان ، أو الاتصال بهم يخطر على بال إنسان ..

***

رجعت ظهر يوم إلى المنزل ، وأنا شاعر بألم فى إحدى عينى .. وكان الجو شديد الحرارة كثير الغبار ..

وأغلقت نوافذ الغرفة ، وتمددت على السرير .. وحملت إلى صاحبة البيت قليلا من الماء الساخن .. فغسلت عينى ، وأحسست ببعض الراحة ..

وسمعت المرأتين تتحدثان .. وسمعت خلال الحديث لفظة « أكسيد بوريك » فأدركت أن الحديث يتعلق بى .. وتحدثت المرأة مع البواب .. وسمعت حركة أقدام السيدة الجديدة فى البهو .. ثم مضت مسرعة إلى المطبخ .. ولمحت ثوبها وهى ماضية أمام بابى ..

ولما جاءت صاحبة البيت بمحلول البوريك .. وغسلت عينى أدركت اليد التى صنعته ووددت لو أقبلها .. وأكبرت فى هذه السيدة هذا الخلق النبيل مع إنسان لم تره ولم تعرفه ..

شغلت هذه السيدة بعد ذلك تفكيرى ووقتى وتشوقت إلى رؤيتها للغاية ..

***

وخرجت من غرفتى ذات أصيل ، واجتزت البهو وانحرفت إلى الصالة ، فوجدت صاحبة البيت جالسة على أريكة بالقرب من الباب الخارجى .. وبجوارها سيدة فى مقتبل العمر ، وروعة الحسن .. فأدركت أنها النزيلة الجديدة ..

فلما أحست بى صاحبة البيت قالت :
ـ كيف حال عينك الآن .. ؟
ـ بخير وأشكرك ..

وكانت السيدة الأخرى فى أثناء ذلك الحديث قد أطرقت .. فنظرت إليها بجانب عينى لحظة ثم أضفت :
ـ وكل ذلك بفضلك ...

فأجابتنى صاحبة البيت وهى باسمة مشيرة إلى السيدة التى بجانبها ..
ـ لقد كان هذا رأى مرغريت ..

فتحول نظرى إلى مرغريت ، وهى مطرقة .. وأخذ قلبى يزداد وجيبه ورفعت رأسها .. ورأيت وجهها الصبوح الفاتن لأول مرة ، وتشربت روحى من حسنه .. وتبادلت معها كلمات قليلة ، ووجهها فى خلال ذلك يحمر ، ويرف لونه ، ويزداد سحره ..

وأحنيت رأسى ، وخرجت إلى الطريق ، ومخيلتى تسبح فى بحر من الأحلام اللذيذة ..

***

وقدمت لى ذات صباح قدح القهوة بدل أختها .. فتقبلته شاكراً ممتنا وأخذت أحادثها .. فتوردت وجناتها .. وظهر عليها الحياء الذى بدا منها عندما قابلتها أول مرة .. وعاد إلى عينيها ذلك البريق الفاتن الذى يشاهد فى عينى العذراء قبل أن تنخرط فى البكاء ، أو تنفجر من الضحك ..

***

وخرجنا فى ليلة من الليالى لنتنزه لأول مرة .. وسرنا نحن الثلاثة على شاطئ البحر بعد أن أسدل الليل ستائره ، وأوحش الطريق ، ومضى الناس إلى منازلهم ..

وكنت أبادل مرغريت النظرات والبسمات ، وأشد على يدها خلسة ! .. وكنا نتمهل فى السير عن عمد لتتقدم « المدام ! » وشعرنا بعد مضى دقائق قليلة بأن وجودها يضايقنا ، كان هذا هو إحساسنا المشترك دون أن ننبس بنت شفة ، ولعل المدام قد شعرت بغريزتها بذلك ، فقد أشارت علينا بالعودة قبل أن يهبط البرد ، فأخذنا الطريق إلى المنزل صامتين ..

ولما حييت مرغريت تحية المساء ، وأنصرفت إلى غرفتها وأغلقت عليها بابها ، وقفت برهة أنظر إلى هذا الباب الموصد دونى .. وقلبى يزداد خفقانه ويشتد ..

واحتلت مرغريت بعد هذه الليلة مركز شعورى .. ونفذت صورتها إلى سويداء قلبى ، وكنت أراها فى كل مكان .. أنام وصورتها فى ذهنى وأصحو وصوتها يرن فى أذنى .. لقد استولت على كيانى ، وغدت امرأة أحلامى ..

***
وألفيتها ذات ليلة ساهرة تكوى بعض الملابس .. وكانت هذه هى المرة الأولى التى أشاهد فيها مرغريت وحدها ، فان عين العجوز لا تنام أبدا ! ..

وجلست أحادثها ، وأشترك معها فى عملها .. وهى تضحك وترفع المكواة الحامية فى وجهى لأبتعد وإلا وضعتها على قلبى .. !

ولما فرغت من عملها أشرت عليها بأن نجلس قليلا فى الشرفة حتى نشعر بالنوم .. فنظرت إلى غرفة أختها المظلمة لحظات .. ثم مضت معى ..

وجلسنا نتحدث فى الظلام .. وطوانا الليل فى جلبابه .. واستغرقنا فى الحديث ، وغفلنا عن كل شىء فى الوجود ..

وشعرت لأول مرة بالسعادة الحقة تهز مشاعرى وترقص قلبى .. حتى خيل إلىَّ أن لا أحد سوانا فى المنزل ، وأن أختها رقدت رقدة الأبد ..

وبعد تلك الليلة انمحت الفواصل ، وانزاحت الستر ، وتبددت الظلال التى كانت بينى وبين مرغريت .. وامتزجت روحانا .. وازداد وجدى بها حتى أصبحت لا أقوى على فراقها لحظة ..

فكنا نخرج إلى المدينة فى الصباح ، ونستريح فى البيت وقت الظهيرة .. ونتنزه فى المساء على ساحل البحر بين المندرة وسيدى بشر .. بعيداً عن الناس فإذا حان وقت النوم رجعنا إلى البيت.. وافترقنا أمام المدام .. !

ويظل كل منا ساهرا فى غرفته حتى ينطفىء النور فى غرفتها وينقطع حسها .. وهنا تفتح مرغريت باب غرفتى فى رفق وحذر شديدين .. وتهمس .. ووجهها يشرق فى الظلام :
ـ فتحى .. هل أشعل النور .. أو أهتف بالمدام .. ؟ فتحى هل أنت فى حاجة ..

فأطوقها بذراعى وأغمر فمها بقبلاتى ، ونظل نتناجى ونحلم حتى تبدو خيوط النور فى الأفق ..

***

وكان عندها مجموعة من الصور تمثلها فى مختلف أطوار حياتها .. فقدمتها لى .. وأخذت أقلب المجموعة وهى جالسة بجوارى .. فرأيت صورتها وهى طفلة صغيرة فى بودابست .. وجزيرة مرغريت ..

وسألتها :
ـ هل سميت جزيرة مرغريت بإسمك .. لأنك أجمل فتاة فى المجر ..

فضحكت وقالت :
ـ فى المجر .. فقط .. ! ؟
ـ فى العالم يا مرغريت ..

فقبلتنى فى فمى وهى طروب .. ومضيت أقلب الصور حتى استوقفتنى صورة فتاة شديدة الشبه بها ..

فسألت مرغريت عنها .. فنظرت إلىَّ ثم أطرقت وراعنى أن وجهها قد اكتأب وعلاه الوجوم .. وتحير فى عينيها الدمع .. فطويت الصور .. ورفعت وجهها إلى وجهى ..

فارتمت على صدرى وهى تنتحب .. فأخذت أمر بيدى على شعرها وأغمرها بقبلاتى .. حتى هدأت .. ثم رفعت وجهها إلى وقالت :
ـ أعرفت صاحبة الصورة .. ؟
ـ أجل يا مرغريت .. وآسف لحماقتى ..
ـ لا تقل هذا ولماذا أكتم عنك .. لقد أصبحت عندى أكثر من أخ .. أنها أختى .. لـ .. وقد انتحـ ..... أنتحرت .. كانت صغيرة .. وغريرة...... وعشـ ..... عشقت زوج أختها .. زوج المدام ..

ووضعت يدى على فم مرغريت .. بعد أن رأيت جسمها عاد يهتز ويرتجف .. ولم أكن أود أن أسمع شيئا عن هذه المأساة .. وأدركت كل شىء يتصل بهذه المرأة الغريبة ، وعرفت علة نفورها من الرجال وعزلتها المطلقة عن الناس .. أدركت كل هذا بسرعة وأخذت أحادث مرغريت فيما يصرفها عن هذه الذكرى حتى هدأت ، فخرجنا لنتنزه ..

***

ومرت الأيام سراعا ونحن فى سعادة لا تقدر .. وكنا نمضى معظم الليل فى الغرفة نتسامر ولا نحس بأن فى العالم سوانا .. وانمحى كل شىء .. فينا ونسينا مدام « ت » التى أدركت كل شىء وعرفت كل أمر وصمتت ..

كانت تعرف أن الكلام لا يجدى .. وأننا مستغرقين فى حلم لا نصحو منه أبدا .. وكانت مرغريت تدرك أيضا حال أختها .. فيعتريها سكون ووجوم ، وتطوقنى بذراعيها وهى ترتجف وتبكى ..

وشعرنا مع الأيام بنظرات المرأة تشتد وتحتد وجو البيت قد تكهرب ، وأصبح خانقا .. فكنا نمضى الساعات فى صمت ..

وقررنا ذات ليلة العودة إلى القاهرة .. لنقضى معا ما بقى لنا من عمر .. وشعرت بعد هذا القرار بالهدوء المقرون بالسعادة الحقة ..

وأخذت أرتب الحقائب ، وأعد كل شىء للرحيل .. وذهبت إلى المدينة وتركت مرغريت تهىء نفسها للسفر ..

وعدت إلى المنزل فى ساعة متأخرة من الليل وأنا سعيد حالم .. وحاولت النوم فلم أستطع فقد طيرت السعادة النوم من عينى .. فرأيت أن اذهب إلى غرفة مرغريت .. وأوقظها لنقضى ما بقى من الليل معا ..

ونهضت من الفراش .. وفتحت باب غرفتى وتقدمت ، على أطراف أصابعى فى الردهة .. حتى قربت من باب غرفتها ، وهنا وصل إلى سمعى صوت بكاء مختنق .. وصوت مرغريت وهى تتحدث بصوت خافت ، فأدركت أن أختها معها فى الغرفة .. وساورنى القلق وأنصت .. فإذا بالحديث يخصنى فوقفت فى وسط البهو ذاهلا شاردا .. وأنا لا أسمع إلا بكاء المرأة المختنق وصوت مرغريت وهى تهدئها بصوت خافت ثم سمعتها تبكى معها .. فأحسست بقلبى يتفطر لوعة وأسى ..

وسمعت المرأة تقول لأختها وهى تنشج ..
ـ لا تتركينى وحدى .. بعد كل الذى حدث .. لقد وجدتك أخيرا .. وأصبحت وما لى فى الوجود سواك .. فلا تتركينى وتذهبى معه ..

وارتفع النحيب .. وتكرر الرجاء .. وأنقطع الصوت .. وخيم صمت القبور ..

وتحاملت على نفسى حتى بلغت غرفتى .. وتمددت على السرير وجسمى يحترق ورأسى يشتغل والعرق يتصبب على جبينى .. وعيناى فى وقدة الجمر .. وأطرافى تتقلص .. والسيجارة تنتفض بين أناملى .. والأفكار تموج فى رأسى وتتصارع ..

لقد من اللّه على بالسعادة بعد شقاء طويل فهل أرفضها فى سبيل امرأة فى عداد الموتى .. حية كميتة لا فائدة من وجودها ، ولا خير يرجى منها ، لقد انقطعت صلتها بالحياة وصلتها بالناس ، وتقطعت بها الأسباب ..

فما ذنب هذه المسكينة وهى فى نضرة عمرها .. ورونق صباها حتى تشقى مع هذه المرأة الشقية إلى الأبد .. هل إذا انتزعتها منها سأنتزع نفسها .. هل أذهب بحياتها .. ولماذا لا أذهب بحياة من لا يصلح للحياة ولا تصلح له .. وقفت عند هذا الخاطر العاصف أترنح .. وهل يمكن أن نظل سعيدين بعد هذه المرأة .. أنها ثالث لا ينفصل عنا ولا يتجزأ .. إنها فى حياتها ومماتها .. شئنا ذلك أو لم نشأ ..

وانطلقت أتمشى فى أرض الغرفة بخطى سريعة كالنمر المحبوس فى عرينه .. والأفكار تشتعل فى جمجمتى وتعصف ، حتى شعرت بمثل الحمى تسرى فى عروقى وبحلقى يجف .. فاتجهت من غير وعى إلى المطبخ لأشرب..

ووقع بصرى وأنا أدير صنبور الثلاجة على بلطة معلقة فى الحائط .. رباه .. هلى أمسك ببلطة رازكو لنيكوف(*) وأحطم هذه الجمجمة .. وأمسكت بالبلطة .. ! فأحسست بثقلها وأخذت يدى ترتعش ، وجسمى يهتز والعرق يتفصد .. رحماك يا سيد الكتاب ليس بين أعقل الناس وبين الجريمة غير قيد شعرة .. !

هل أقتل هذه المرأة ، وأقتل مرغريت ، وأقتل نفسى .. وتفتحت عيناى فى رعب وجزع .. واشتد الظلام ولم أعد أرى شيئا ..

ووجدت نفسى ممددا على فراشى والعرق يتصبب .. فاستويت على قدمى ، تحت ثورة الحمى ، وأمسكت بحقيبتى .. وخرجت أضرب فى ظلام الليل على غير هدى ولا سبيل ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بطل الجريمة والعقاب لدستوفسكى .

===============================
نشرت القصة فى مجموعة " فندق الدانوب " لمحمود البدوى سنة 1941 " وأعيد نشرها بمجموعة " قصص من الإسكندية " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
================================








العذراء والوحش
قصة محمود البدوى


كان الخواجة لمبو يملك فندقا جميلا على ترعة الابراهيمية قريبا من شريط السكة الحديد ..

وكان للفندق حديقة مزهرة .. يجلس فى ظلها النزلاء بالنهار .. وفى الليل كانت تتحول إلى مرقص ..

وكان لمبو يجلب لهذا المرقص أشهر الفرق الراقصة من القاهرة والإسكندرية وفيها أجمل الراقصات فى دنيا الفن ..

وكان المكان يضيق على سعته .. بالعمد والأعيان والوجهاء من منطقة الصعيد كلها من حدود الروضة حتى سوهاج .. وكانت الأكف تضيق من التصفيق .. وأوراق البنكنوت من الفئات الكبيرة .. فئات العشرة جنيهات والخمسين جنيها تحرق تحت أنفاس الغانيات ..

كان كل رجل ينافس غريمه فى ارضاء الغانية الأولى فى الفرقة .. البريمادونا .. ليفوز بها فى آخر الليل ..

وكانت زجاجات الخمر .. تفيض من الكؤوس المترعة على الموائد والمفارش .. وعلى سجاد الأرض مختلطة بأعقاب السجائر ..

وكان الدخان الذى يملأ سماء المكان يزكم الأنوف ويدمع الأعين ويهيج الصدور .. ويتحول إلى كثف من الضباب .. ولكن الجالسين فى المكان كان احساسهم متبلدا من فرط الصخب والضجيج .. فلا يحسون بهذا الاختفاق .. وما هو شر منه .. لأن كل شىء ينسى فى غمار الأجسام العارية التى كانت تتلوى .. وتتثنى على المسرح ..

ويحدث فى كثير من الحالات .. أن تقف راقصة على حافة كرسى من الخيزران .. ترقص رقصا مثيرا .. وفى كل حركة بالبطن .. ولفتة بالعين .. وغمزة بالحاجب .. يتطاير طربوش .. أو تسقط لبدة على خشبة المسرح .. أو تتكور عمامة ..
ثم يبدأ التنافس المروع على حرق أوراق البنكنوت ..

ويخيل اليك وأنت تشاهد أوراق البنكنوت بالخمسين جنيها .. تمتد بها الأيدى لتشعل سيجـارة لراقصة .. لاتساوى مليما واحدا فى الآدميين .. انك تعيش فى مستشفى المجـاذيب .. ولكن هـؤلاء المجاذيب .. كانوا هم فى الواقع الحكام الحقيقيين للإقليم ..

وكانت محادثة تليفونية بسيطة من واحد منهم .. تطير المدير .. ونظرة غضب تطيح بالحكمدار ..

وكان الواحـد منهم يأتى إلى " البندر " فى موكب مسلح من العبيد ..

فإذا رأى الراقصـة التى يشتهيها .. تجالس آخر .. أو تساقيه الخمر .. يتطاير الشرر من عينيه .. ويبدأ أمامها فى عرض جبروته وثروته .. بصورة مثيرة تثير الفزع حقا ..

يأمر بصوت جهورى .. أن تفتح جميع زجاجات الويسكى .. وتوزع على حسابه على جميع الحاضرين .. ليموت غريمه من الغم ..
أو يحـرق ثلاث أوراق من فئـة الخمسين جنيها لثلاث راقصات معا ..

وكانت إذا اشتدت المنافسة وتحول الكلام إلى نار .. يتدخل الخواجة لمبو .. بلباقته .. وابتسامته .. ويوزع الغانيات .. على المتنافسين ..

وكان الفندق يتحول فى آخر الليل .. إلى وكر رهيب للملذات ..

وكان المال الذى يتدفق على لمبو .. يجعله قادرا على أن يغمض كل العيون ويخرس كل الألسنة ..

***

ثم هبت الريح العاتية .. وطار ورق الحديقة .. وعرى الشجر .. وقوض المرقص وانقطع العمد والأعيان .. وتحول الذهب إلى تراب .. وأصبح الخواجة لمبو لايستطيع أن يدفع أجر ثلاثة من الفراشين هم كل من بقى من العمال فى الفندق ..

وفى خلال تلك الفترة العصيبة ، ماتت زوجته .. وتركت له بنتا وحيدة فى الخامسة عشرة من عمرها .. وكانت تتلقى العلم فى مدرسة أجنبية فى ملوى .. فلما انتهت من دراستها الثانوية .. أشارت عليها خالتها ماريكا بأن تأخذها معها إلى أثينا لتدرس الطب ..

ولم يكن فى أثينا طب مشهور حتى تذهب إليه .. أورانيا ولكن الرجل وجد نفسه وجها لوجه .. أمام مشكلة لم يكن مستعدا ولا قادرا على مواجهتها وحده .. فترك الفتاة مع خالتها وسافرت بها ..

***

ولما عادت أورانيا بعد ثلاث سنوات .. لم تكن قد حصلت على إجازة تؤهلها لمزاولة مهنة الطب .. فى مصر .. ولكنها حصلت على شىء آخر .. حصلت على جسم .. يفوق كل الأجسام .. التى كانت تتثنى على مسرح الفندق ..

وعندما دخلت الفندق .. لم يكن به أكثر من خمسة من النزلاء .. منهم موظف واحد يقيم بالشهر .. وبائع متجول يغدو .. ويروح .. ورجل عجوز من سكان القاهرة .. كان يجىء فى فترة الإيجارات ليجمع إيجار الأرض .. ويبيع ما استطـاع من أملاكه .. فقد مرض مرضا شديدا .. توقع بعده الموت فى كل لحظة .. وكان يجب أن يتخلص مما عنده قبل أن ترثه وزارة الأوقاف ، فلم يكن له وريث غيرها ..

وكانت مدخنة الفندق تدخن فى الفترة التى يقضيها السيد عصام فى الفندق .. فهو يصرف على طعامه وشرابه عن سعة وفى اسراف ..

وكان عصام قد اعتاد أن يشرب فى مجلس من الصحاب ليتحدث ويضحك .. كما يفعل فى الباريزيانا ..

ولكن كيف يجد الصحاب فى الصعيد .. وهو غريب عن المدينة .. فكان يجالسه لمبو فى وقت فراغه وتجالسه أورانيا .. كذلك ..

وكان هناك شخص فى المدينة يتردد على الفندق فى ساعة معينة كل ليلة ..

كان زكى نديم الأثرياء والوجهاء فى حانة الفندق .. فلما ذهبوا ولم يعد يراهم أصبح يتجول فى المدينة كل ليلة ويدخل كل حانة كانوا يترددون عليها ، وفى ساعات الليل التى ألف أن يراهم فيها ..

وكان يعرف أنهم ماتوا .. وأنهم ذهبوا إلى غير رجعة .. ولكنه .. كان يكرر الجولة .. فى كل ليلة .. كأنه يتوقع عودتهم فجأة .. أو كأنه يعجب للقدر .. الذى انتزع منـه رزقه مرة واحـدة .. فى قسوة شديدة ..

أو كأنه .. يقول للجالسين وهو داخل عليهم .. ألا تعرفوننى ..؟ أنا نذير لكل السكارى ..

***

وذات ليلة لمح زكى أفندى .. السيد عصام جالسا إلى مائدة وأمامه الكأس .. فجلس بجانبه ومن وقتها أصبح جليسه .. ولكنه كان يجلس منكمشا طاويا " قفطانه " على ركبتيه .. وضاما جبته على صدره .. ومرسلا طربوشه إلى أسفل ..

وكان من نزلاء الفندق نزيل آخر رجل فى الستين من عمره .. وكان من أصل شركسى وموظفا فى أحد التفاتيش ، فلما استولى الاصلاح الزراعى على التفتيش بقى فى مكانه .. وأقام بصفة دائمة فى الفندق .. وكان الرجل .. مغرما بالكلاب .. يعيش معه كلب منذ سنوات طويلة .. وكان يلازمه ملازمة الظل ..

ولم يكن حسين .. يؤدى أى شىء خلاف رياضته للكلب .. كان ينطلق به فى الصباح بين المزارع .. حتى يخرج من البلدة ..

وفى العصر يجول به نفس الجولة .. وكان الكلب .. فى الواقع مدربا .. كأحسن كلاب الحراسة .. ويربض فى الحديقة .. أو يدخل طرقات الفندق .. وينام فى أى مكان يختاره .. أصبح مألوفا لدى الجميع وكأنه نزيل من النزلاء ..

وكان فى الواقع يحرس الفندق كله .. ومع أنه كان شرسا إلى حد التوحش إذا أحس بحركة فى المزارع القريبة أو سمع دوى الرصاص .. ولكنه كان فى داخل الفندق لاينبح قط .. وكان يوجه إلى الداخل الغريب نظرة صارمة .. ثم يقعد .. واضعا رأسه بين رجليه ..

وفى الفترة التى كانت تقوم فيها ابنة صاحب الفندق بالعمل فى المطبخ كانت تقدم له قطع اللحم .. والثريد .. وإذا عاد من جولة فى الخارج وهو يلهث من الحرارة قدمت له مايرطب حرارة جوفه .. وأصبحت بينهما ألفة .. زائدة ..وكان الكلب إذا شاهدها من بعيد يبصبص بذنبه .. ثم يقف ينتظرها وكأنه يرحب بها .. فإذا جاءت إليه انطلق بجانبها .. وهو شاعر بالمرح والنشاط ..

وكان الفندق فى العام المنصرم .. قد بدأ فى الانتعاش .. وفى خلال موسم القطن كان يأتى إليه بعض النزلاء .. ثم يرحلون ..

وكان لمبو .. وقد ابيض شعره .. يجلس إلى الصالة المغطاة بإعلانات الخمور وحيدا .. وتكون ابنته قد فرغت من عملها .. وذهبت لتنام ..

يجلس فى الركن .. يسترخى ويتـذكر .. يتذكر .. الرقص والأغانى .. والصاجات والشمبانيا .. وأوراق البنكنوت المحترقة .. والذهب الذى كان يتدفق عليه ويشعر بهزة ويتساءل لماذا ذهب هذا كله مرة واحدة .. لماذا ذهب ..؟ الأنه كان يسير فى طريق معوج .. ويجمع المال بكل الطرق غير الشريفة ..؟ الأن الفندق كان ماخورا ..؟ ما أكثر المواخير الباقية ..

ولماذا هبت عليه العاصفة .. وحده .. لماذا ..؟ وكان ينظر إلى ابنته .. وقد غدت أنثى ويتصور أنها واقفة فى الصالة الخلفية تتثنى .. وقد خلعت ملابسها قطعة قطعة .. كما كانت تفعل نرجس وعزيزة .. وباتريشا .. وأولجا .. من سنوات .. وعرق جسمه وأحس بالأرض تدور به .. ونهض بعد أن أفاق ليشغل نفسه بأى عمل ..

***

وحدث ذات مساء .. وكان أحد الأعيان قد شاهد أورانيا .. جالسة فى الحديقة ورأى فتنتها وجمالها ..
أن قال للخواجه :
ـ إيه .. يا خواجه لمبو .. الحاجات الحلوة اللى نازلة عندك دى بتفكرنا .. بأيام زمان ..
فأحمر وجه لمبو ولم ينبس ..

وهمس الوجيه فى أذن لمبو .. وهو صاعد إلى غرفته ..
ـ ابعتها مع عبده .. ومعاه زجاجة ويسكى .. واللى انت عاوزه خده ..

فأحمر وجه لمبو وسقط رأسه على فكه ..
ـ إيه ..؟
ـ دى .. بنتى .. يا توفيق بيه ..
ـ بنتك .. عندك بنت حلوة كده ..؟ وكانت فين ..؟
ـ فى أثينا ..
ـ جوزها .. حالا ..
ـ هيه .. عاوز يشتغل .. مش عاوز يجوز ..
ـ جوزها .. أولا .. دى خسارة ..
وصعد توفيق إلى غرفته آسفا ..

وكان الخواجه لمبو .. فى الواقع .. يريد أن يزوج أورانيا .. ويستريح ـ كأب ـ من مشكلتها ..

***

ومادام يعيش فى الفندق فإنه لم يكن فى حاجة إلى رعاية من المرأة .. لأن الخدم يقومون بطعامه وكل مايحتاجه ..

وفى خـلال تفكيره .. فى كوستا .. ابن مخالى .. كزوج مثالى لابنته .. أورانيا هبط نزيل جديد على الفندق ..

وكان سالم شابا فى الرابعة والثلاثين من عمره .. وكان يعمل فى الصباح فقط .. ويقضى بقية النهار والليل فى الفندق ..

وفى خلال الأسبوع الأول من نزوله المدينة .. لم يشاهد فى صحبة أحد .. وكان فى الفنـدق يجلس وحيدا فى المدخل .. وبيده مجلة مصورة .. قد تلوثت وتمزقت من الجوانب من عرق يديه ..

ولم يكن قصير القامة .. لكنه كان ينحنى بجذعه ويميل إلى الجانب الأيمن فى مشيته فيخيل لمن يراه على هذه الحالة أنه قصير وأنه أحدب ..

وكان أول من يعود من النزلاء إلى الفندق فى ساعة الغداء .. ويرى أورانيا فى المطبخ .. أو جالسه بجانب والدها .. على " الخزانة " .. ولكنه لم يكن يوجه إليها أى كلام .. أو يبادلها أى تحية .. وقد حيته مرة .. بلفظة .. بنجور .. فلم يرد عليها .. وخرس لسانه فى حلقه .. ومن وقتها لم تكلمه أبدا ..

وفى الليل .. كان يجلس منزويا فى الحديقة ويرى أورانيا وهى جالسة تتعشى وتشرب مع السيد عصام .. وقد وضعت ساقا على ساق .. حتى كشفت عن فخذيها فكان يحس بمثل السعار .. ويعود منكمشا على نفسه ..

وكان يسهر وهو جالس فى الحديقة وحده .. حتى لايبقى أحد من النزلاء ..

فإذا وجده لمبو .. جلس بجواره قليلا .. يحادثه ولكن سالما فى الواقع كان لايستمع إلى ثرثرة لمبو ..

كان يرى أورانيا .. من بعيد .. وهى رائحة غادية فى طرقات الفندق .. ثم تغيب عن بصره ..

***

وذات ليلة سمع صوتها وهو متمدد على السرير .. تحادث شعبان الفراش .. فتلفت وتسمع كالثعلب ..

ولما خرج شعبان سمعها تغنى قريبا منه .. فأيقن أنها بجواره .. فى الغرفة الملاصقة له تماما .. وأحس برعشه .. ونهض .. ووضع أذنه على الحائط .. ودار برأسه فى الغرفة .. يتفحصها .. فرأى لأول مرة أن الدولاب الذى فى غرفته وراء باب يفتح على الغرفة المجاورة .. ووضع الدولاب وسمر الباب ليمنع الاتصال ..

ورأى شراعة زجاجية فوق الباب مغطاة بالقماش فدار فى الغرفة يفحص كل شىء .. بعين صقر .. وقلبه يرتجف .. ثم سحب كرسيا .. وطلع من فوق الدولاب يتطلع فى الظلام .. من الشراعة .. واستطاع بعد مشقة .. وبعد أن فتح ثغرة بأظافرة وأسنانه فى القماش أن يرى أورانيا .. فى الغرفة المجاورة ذاهبة رائحة فى الغرفة بقميص النوم وهى تنحنى ..
ثم تنهض كأنها تبحـث عن شىء سقط منها .. قريبا من مائدة الزينة ..

***

وفى الليلة التالية .. حبس سالم نفسه فى غرفته من الساعة الثامنة مساء .. وكان الصيف .. فى حميمه والحر شديدا .. فحبس نفسه داخل الجدران .. فى الظلام وأغلق النافذة الخشبية حتى لايتسرب أى ضوء من الخارج .. وليكون الظلام على أشده .. وصعد إلى الشراعة ليوسع الثغرة .. ويرى أكثر .. وأكثر .. ولمس .. وهو يفعل هذا مسمارا .. ثم أدرك أن الشراعة .. تتحرك .. وأنها مسمرة من ناحيته فقط ..

***

وفى اليوم التالى جاء بكماشه ونزع المسامير فى هدأة الليل .. بعد أن أحكم اغلاق باب الغرفة .. ورد النافذة ..

***

وفى العصر خرجت .. أورانيا من الفندق .. متعطرة وهى فى أجمل ثيابها .. كان اليوم يوم أحد .. ورآها سالم وهى تمشى مع سيدتين على الترعة ..

وجلس ساعة فى حديقة الفندق ثم خرج يتمشى .. وعاد فى هدأة الليل إلى غرفته ..

وأغلق الباب وراءه بالمفتاح .. ورد النافذة الوحيدة .. وجلس يخلع ملابسه فى الظلام .. وصعد إلى الدولاب .. وحرك الشراعة فانفرجت .. فأعادها إلى مكانها .. بهدوء ..

وجلس على سريره .. وقد أحس برغبة شديدة إلى التدخين .. فدخن ..

وبعد أن هدأت الرجل تماما .. وانقطع كل حس .. وأطفئت جميع الأنوار فى الحديقة .. وبقيت فقط الأنوار الضعيفة التى فى طرقات الفندق صعد مرة أخرى .. إلى الدولاب بعد أن تلثم .. حتى لاتعرفه أورانيا إذا كانت متيقظة .. وأزاح الشراعة فانفرجت ونظر إلى الفراش فرأى أورانيا .. نائمة ثانية فخذها .. وقد جعلها الحر الشديد لاتطيق حتى .. قميصها ..

وتصور هذا الجمال الذى سيكون فى أحضانه بعد لحظة .. وأغلق عينيه وأخذ يتدلى من الناحية الأخرى بحذر شديد .. وأحس فجأة بكف وحش تضربه بمخالبها فى صدره فصرخ وسقط على الأرض ..

وعندما دخل لمبو الحجرة على صياح أورانيا .. كان سالم .. قد استفاق من هول الصدمة .. وأدرك ما حدث .. ولكنه لم يستطع أن يتحرك من مكانه .. لأن الكلب كان رابضا أمامه .. وقد تهيأ للوثوب عليه إذا أبدى أية حركة ..

وعندما مر زكى .. على الفندق فى الليلة التالية وجد مائدة عصام خالية ..
فقال باسما :
ـ ذهب أيضا ..

واسـتدار ليخرج فرأى الكلب فى جانب من الحديقة رابضا وحده .. وكان حزينا لأن أورانيا .. كافأته على عمله النبيل بطرده .. من غرفتها ..
=================================
نشرت القصة بمجلة " الجيل " فى 5/1/1959 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان "
عذراء ووحش " وفى مجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر ط 2006
=================================




الأخرس
قصة محمود البدوى

كنت أسير مزهوا فى حى البنوك بالإسكندرية وفى قلبى الفرحة لتأميمها فقد أحسست بعد كل هذه السنين الطويلة من الإستغلال الأجنبى بأنى أضع قدمى على أرضى ولم أعد دخيلا على هذا الحى ..

وكانت الساعة الثامنة مساء .. واليوم يوم الأثنين والمتاجر لا تزال مفتوحة ، فأخذت أستعرض ما فى واجهتها من ملابس جاهزة وعطور وادوات الزينة ولم أكن أبغى أن أبتاع شيئا بعينه .. ولكن وجود هذه الأشياء أمامى بطريقة منسقة ومغرية .. جعلنى أفكر فى شراء هدية لوالدتى ..

ورأيت حقيبة سوداء أنيقة من الجلد الفاخر فى واجهة متجر وبجوارها ورقة صغيرة مكتوبة بالفرنسية تعلن عن غرفة مفروشة للإيجار تطل على البحر فى حى كليوباترا والإستعلام بالداخل .. ولم أكن فى هذه اللحظة أفكر فى استئجار غرف أو ما هو من هذا السبيل ولكن حب الإستطلاع أدار فى خاطرى أن أسأل عن موقعها وإيجارها فقد تروق فى نظرى وأنتقل إليها وأترك الفندق ..

ودخلت من باب صغير إلى متجر مستطيل ولا عرض له .. وكانت منضدته مستطيلة بطول المحل كله وأشبه بالمناضد التى ترى فى الحانات .. ولكن المتجر مع رسمه هذا غير المألوف كان جميلا وبالغا حد الروعة فى التنسيق وطريقة عرض البضائع ..

وبرزت أمامى فتاة ممشوقة القوام .. جميلة تقاطيع الوجه .. فسألتها عن الحقيبة .. ورأيت أن أرجىء السؤال عن الغرفة إلى حين .. فأخرجت لى عدة حقائب من صناديقها المزركشة .. وأخذت تعرض مزاياها وما فيها من محاسن..

وتناولت واحدة منها .. وقلبتها تحت بصرى ولما قرأت الفتاة التردد على وجهى أمسكتها بيدها .. وأخذت تقبل بها وتدبر منسابة برشاقة فى طول المحل .. لأرى الحقيبة رأى العين على الطبيعة فى يد الحسناء .. ولأقطع حبل التردد ..

وفيما أنا أستدير وقد أعجبت بحركة الفتاة أكثر من أعجابى بالحقيبة التى فى يدها .. لمحت رجلا ضخما جالسا فى الداخل فى العتمة الشاحبة .. وكان صامتا وجامدا كالتمثال .. وقد عجبت لسكون طائرة .. وسكون جوارحه .. فإن الزلزال وحتى النار نفسها كانت لا تحركه من مكانه فى هذه الساعة .. ولمحته يرقب كل شىء بهدوء وخمول عجيبين .. فأغفلت وجوده كله ..

وطلبت من الفتاة أن تخفض لى الثمن .. والظاهر أنه سمعنى .. فقال بصوته المجلجل كجرمه :
ـ أذهب حضرتك إلى هانو .. بجوارنا .. وسترى بكم تباع هذه هناك ..
ـ المسألة بسيطة ياخواجه .. !!
ـ لأجل خاطرك سننقصها نصف جنيه ..

ولم أكن أطلب المزيد .. وأخرجت ورقتين من جيبى بعشرة جنيهات .. وتناولت الفتاة المبلغ ودفعته إلى عاملة الخزينة .. وعادت تحمل لى الباقى ..

ولما أخذت تلف الحقيبة وتغلفها .. سألتها عن الغرفة المفروشة المعروضة فى الفترينة .. فقالت لى انها فى شارع البحر وإيجارها عشرون جنيها فى الشهر ..

فقلت لها على الفور ..
ـ أحب أن أراها ..
ـ دقيقة واحدة ..

وهنا سمعت من يقول :
ـ من الذى يسأل عن الغرفة .. ؟

وبرزت من الداخل سيدة مكتنزة حمراء الخدين .. ترتدى فستانا على اللحم .. ورمقتنى بنظرة فاحصة .. وبادلتها نظرة مثلها .. وأنا أجد لها شبها بالرجل الجالس فى الداخل .. وخمنته شقيقها .. فقد كانت تشبهه إلى حد بعيد ..

وقلت لها بصوت قد أخذ بحلاوة تقاطيع وجهها رغم ما فيها من سمنة :
ـ أنا يا سيدتى .. يسرنى أن أراها ..
ـ بمكنك أن تذهب فى أى وقت .. وهذا هو العنوان ..
وكتبت بخط متأنق شيئا على ورقة صغيرة ..

وكانت الغرفة فى الدور الثالث فى بناية حديثة فى نهاية حى كليوباترا ولها شرفة صغيرة تطل على البحر .. وأمامها السلم المؤدى إلى الشاطئ وكانت مفروشة ببساطة .. فالشقة نفسها أنيقة وليس فى البيت أطفال .. فكانت فى واقع الحال وفق مناى .. ولذلك رأيت أن أنتقل من فندق هايد بارك إليها دون إبطاء وأن أحجزها مدة شهرين .. فأروح وأجئ من القاهرة إليها كلما شعرت بالحاجة إلى نسيم البحر .. وحملت حقيبتى .. وانتقلت إلى الغرفة فى مساء اليوم نفسه ..

ومن خلال حديث عابر عرفت مدام مارى أننى أشتغل فى مكتب المحاسبة وأعرف شئون الضرائب فسرت جدا .. ورجتنى أن أراجع دفاتر المحل .. فى الساعات التى أختارها فى الصباح أو بعد الظهر .. وأطلب الأجر الذى أريده..

ولم أكن أبغى أن اقوم بأى عمل وأنا أصطاف .. ولكننى وجدتها مسكينة .. وفى حالة ارتباك ودفاترها فى غاية السوء .. فأشفقت عليها وجلست إلى مكتب فى داخل المحل وأخذت أعمل كلما وجدت الفرصة مواتيه وساعة الفراغ ..

ومن اليوم الأول وأنا أراجع الدفاتر فى المتجر شعرت بإنتعاش وجو من الألفة جعلانى أواصل العمل بأمانة .. ولم أدر أكان ذلك لأنى أشغل غرفة صاحبة المتجر وأنام فى بيتها أو لأنى كنت أشم العطر فى كل ساعة ..

وكان فى المتجر ثلاث شابات عاملات فيهن مصرية واحدة .. وفراش عجوز .. وكان نشطا رغم شيخوخته ..

وكانت مدام مارى أبدا مرحة ومنطلقة على هواها .. ولاحظت دخول شاب أجنبى من الباب عدة مرات فى الساعة التى أكون موجودا فيها ..

وكانت المدام تناديه بكوستا .. وكان يعمل فى محل بن مجاور .. وظهر لى أنها متيمة به .. فكانت تجعله يقضى كل وقته معها ويتخلف عن عمله وتطلب من المحل قهوة وشايا وشيكولاته دون حاجة حقة .. لغرض أن تراه ويكون ملاصقا لها ..

وكانت تغازله بشكل مكشوف أمام عمال متجرها ..
وكانوا جميعا يتضايقون من كوستا .. ويكوهونه ..

وكان يتردد على المتجر شاب مصرى فى حوالى الثلاثين .. وكانت مدام مارى تسأله فى كل مرة :
ـ عملت أيه يا شيخ عبد الحفيظ .. ؟
ـ المسألة ماشيه .. بعد اسبوع حتعرفى النتيجة ..

وحدثتنى المدام بعد أن خرج .. أنه يسعى ليكسب الجنسية المصرية لزوجها ..

وسألتها :
ـ وما دخله وصفته فى الموضوع .. ؟
ـ إنه يعرف كل ذوى السلطان فى الإسكندرية ..
وخمنت أنه يستغلها .. ولم أشأ أن أعرفها الحقيقة ..
وفهمت من كلامها أنها أعطته مبلغا ليسهل لها الأمور ..

وكان الشيخ عبد الحفيظ أنيق الهندام مرحا خفيف الظل .. ومع أننى كنت على يقين أنه أستغل حاجة المدام وسذاجتها وأنه يضحك عليها ولا يقوم لها بأى عمل .. ولكننى كنت استلطفه وما من مرة دخل فيها المتجر إلا وحوله إلى عاصفة من المرح ..

وكان صغير الوجه مدور العمامة .. وكاكولته دائما مفتوحة وممتلئة بالهواء ..

ولم يكن يزاول أى عمل على أى وجه من الوجوه فى مدينة الإسكندرية ومع ذلك كان عامر الجيب .. ويصرف بسخاء .. وكل من فى المدينة يعرفه ..

فعذرت المدام وهى تسعى إليه بعد أن قدرت ما هو عليه من جاه وسلطان ..

وكان البرتو زوجها الرجل السمين البليد الطبع الذى يظل قابعا فى داخل المتجر ويرى زوجته تغازل الشباب وتضاحكهم أمام بصره ولا يحرك ساكنا ولا ينطق بحرف .. يحرك لواعجه إلى الفتاة العاملة على الخزينة ..

فكانت أجمل العاملات فى المتجر .. وظهر لى جليا أن الفتاة المسكينة واقعة تحت سيطرته تماما .. وعرفت أنها دفعت ثمن تشغيلها عنده .. وأنه كان يهددها بالطرد إن لم تستجب إلى رغبته .. فوقعت تحت سلطانه تماما ورضيت بالهوان.. وكانت تخضع لرغباته وتكرهه بكل قلبها ..

وكنت أقرأ فى وجهها العذاب والصراخ الأخرس كلما رأيته يقترب منها ليحادثها .. ولقد قر قرارى بعد شهر من عملى فى المتجر .. أن أخلص هذه الفتاة المسكينة ـ وكانت يتيمة وتعول أمها ـ من براثن هذا الوحش وأن اسعى إلى توظيفها فى متجر آخر وقد أكتسبت خبرة كعاملة للخزينة ..

وكانت مدام مارى تذهب إلى المتجر بإنتظام عدا أيام الآحاد ومساء السبت .. فإنها كانت تقضيهما فى البيت أو فى نزهة خلوية على البحر ..

وفى صباح يوم من أيام الآحاد رأيتها تسرف فى الزينة والتعطر .. ثم ظلت ساعة قلقة حتى جاءها كوستا .. وأخذها إلى شاطئ العجمى ..

ومر الأسبوع الأول من شهر سبتمبر .. وقد وجدت ما يربطنى بالإسكندرية إلى نهاية الشهر ..

وفى عصر يوم رأيت وأنا داخل البيت شخصا جديدا لم أره من قبل .. وكانت المدام جالسة قبالته على كرسى طويل وفى فمها السيجار ..

وكان شابا مصريا فى الخامسة والعشرين من عمره نحيلا أسمر براق العينين وكان يعمل فى الطقم الذى فى الصالة ويغير الكسوة..

وأدركت بعد فترة وجيزة أنه أخرس لما لم يرد تحيتى .. وجلست معهما لحظات أراقبه وهو يعمل ببراعة وحدثتنى المدام أنه اعتاد أن يقدم عليها مرة فى السنة .. يجدد الفراش والمراتب والمخدات ويغير الكسوة إن احتاجت إلى تغيير وأنه منذ خمس سنوات وهو يجئ إليها فى مثل هذا الشهر ولم يتاخر قط عن موعده ..

وظل فى البيت أسبوعا كاملا يعمل إلى ساعة متأخرة من الليل ..

وكان يذهب فى الليل إلى جهة « الحدرة » لينام ويجيىء مبكرا فى الصباح .. والواقع انه كان شعلة نشاط ليس لها ضريب .. واستطعت أن أتفاهم معه تماما بالإشارة ولاحظت أنه أخذ يعنى عناية خاصة بالغرفة التى أشغلها ويغير فراشها إلى شىء جديد ترتاح له العين ..

وكان مرحا وضاحك السن .. ولاحظت أن مدام مارى لا تحتشم فى ملابسها أمامه فقد وجدتها مرة لابسة قميص النوم على اللحم وجالسة بجانبه تراقبه وهو يعمل بأبرته .. وكان السكون يخيم على البيت ..

وكان هناك شىء قد أخذ ينمو على توالى الساعات والأيام والليالى فى عقل الأخرس وقلبه .. حتى أحب مدام مارى .. وتيم بها صبابة .. وكان يلاحظها بعينيه ويراقبها وهى رائحة غادية فى البيت وجالسة أمامه ومطلة من الشرفة على البحر .. وصانعة له فنجان الشاى .. ومقدمة له صحن الطعام ومحدثته بيدها .. ومحركة شفتيها وعينيها .. وكاشفة له عن صدرها ..

وكان ينظر إلى عينيها ويستغرق فى التأمل .. ويستغرق فى الدوامة التى تلفه ..

وكان يعيش فى شبه غيبوبة مطلقة وهى أمامه متنفسا أنفاسها وسامعا حركة أقدامها ..

وكان كلما بعد عنها يرجع إليها .. وفى قلبه شحنة من العواطف الدافئة..

وكانت بعد هذه السنوات الخمس من الحب الأخرس .. وقد ناهزت الخمسين وهو فى الخامسة والعشرين .. وزاد قلبه صبابة .. وجسمه اشتعالا ..
ولم تكن تحس به ولا تدرى من عواطف قلبه شيئا ..

والتقيت به ذات ليلة وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء .. نازلا على السلم فراعنى أن وجهه أصفر كوجوه الموتى .. ولما حييته رد بفتور وهو سارح البصر ..

ولما دخلت البيت سمعت صوت كوستا فى غرفة مدام مارى .. فأدركت سبب غضب الأخرس ..

ومر يومان وأقتربنا من نهاية الشهر .. وكان كل شىء عاديا فى البيت والمتجر .. وفى نصف الليل .. وكان السكون يخيم استيقظت على صرخة مفزعة .. ولما خرجت أهرول من غرفتى .. وجدت كوستا مضرجا بدمه فى الصالة .. والمدام مرتمية على جسمه وقد أصابتها مثل طعناته ..

وكان الأخرس .. على بعد متر واحد منهما .. ولا يزال ممسكا بالسكين . ووجهه الشاحب قد سكن تماما .. ولا يبدو عليه الخوف من شىء ..

================================
نشرت القصة بصحيفة المساء 12/12/1962 وأعبد نشرها فى مجموعة " عذراء ووحش " و بمجموعة " قصص من الإسكندية " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
================================





ليست هناك تعليقات: