الخميس، 7 ديسمبر، 2006

ص 7 الرجال فى الأدب العربى

القصص المنشورة
ـــــــــــــــــــ
ـ البائع الجوال
ـ الذئب
ـ السكين
ـ زهور ذابلة
ـ الثعبان
ـ السكاكين
ـ القرية الآمنة
ــــــــــــ

البائع الجوال

قصة محمود البدوى


خرجت من مستشفى الدكتور حسنى فى حى عابدين ذات ليلة من ليالى الشتاء .. وركبت الترام رقم 17 الذاهب إلى السيدة زينب لأصلى ركعتين لله فى المسجد الكبير تعبدا وشكرا له فى عليائه .. على نجاة والدى من العملية الجراحية الخطيرة التى أجريت له فى العصر واستمرت أربع ساعات كاملة ..

وكان الأمل فى النجاة ضعيفا .. إلى حد أن الطبيب نفسه كان مترددا .. ثم توكل على الله وصلى ركعتين قبل أن يرتدى المعطف الأبيض .. ويدخل من باب حجرة العمليات .

وقد ركبت الترام .. وقلبى يتجه إلى الله .. لأصـلى ركعتين مثـله فى المسجد الكبير .

وكانت الليلة شديدة البرودة فاحتبس الناس فى البيوت من الغروب .. وكان ركاب الترام متفرقين فى المقاعد الخشبية .. وقليلين جدا إلى حد أننى كنت الراكب الوحيد فى المقصورة المخصصة للدرجة الأولى .

ووقف مع الكمسارى فى خارج المقصورة مما يلى السلم مباشرة .. رجل كبير الجسم عظيم الكرش أخذ يثرثر معه حتى استغرق الكمسارى فى الحديث مع الرجل .. ونسى الركاب وقطع التذاكر .

ولما نزل الرجل الضخم من الترام فى الدوران .. تحرك الكمسارى إلى نهاية العربة ثم ارتد .. وهو يقرع على حاملة التذاكر الخشيبة لينبه الركاب بقلم من الرصاص فى يده .. وكان بادى المرح رغم البرد الشديد ومشقة العمل و" زوغان " بعض الركاب دون دفع الأجر .

وفى شارع الشيخ ريحان ركب من السلم الخلفى القريب منى رجل عجوز ووقف فى المكان المخصص للوقوف .. فأسرع إليه الكمسارى وهو يقرع بالقلم على ظهر حاملة التذاكر .

ـ تذاكر .. يا عمى الشيخ ..

ـ والله .. يا ابنى مـــا اسـتفتحت .. وسأركب محطة واحدة ..
ـ محطة واحدة .. يا شيخ ابراهيم ..؟

ـ أجل .. وما ركبت يا ابنى إلا بعد أن مزقنى التعب ..
ـ اخرج من الزلع المدفونة تحت البلاط .. يا شيخ ابراهيم .. اخرج !

ـ الزلع ..؟
ـ نعم الزلع .. وانك لتمتلك .. أربع عمارات فى الحى ..

ـ أنا ؟
ـ أى .. والله ..انت ..

ـ سمع الله منك .. وأعطانى .. من الذى يكره الغنى ..
ـ وضحك الشيخ إبراهيم حتى بدت نواجذه ..

وكان ناحلا رقيق الحال .. وقد بدت عظـامه وذهب لحمه .. وأحنت السنون ظهره .. ويلبس جبة سمراء من الصوف المغزول .. وقفطانا أخضر من الحرير المخطط بخطوط خفيفة ..

وكان الثوبان اللذان على جسمه مهلهلين وأكمامهما واسـعة وممزقة ..وظاهر جدا من اتساع الطقم أنه لم يصنع له .. ولم يفصل على قد جسمه ..

وكان يرتعش من الشيخوخة .. وقد بدا من عينـيه الكليلتين أنه يرى بصعوبة ..

وكان ممسكا ببعض المصاحف الصغيرة وكتب الاوراد .. والأدعية الدينية .. وواضعا هذا كله فى محفظة بالية عليها آثار العرق القديم ..

وتأثرت لرقة حال الشيخ العجوز وأشفقت على شيخوخته .. وكنت أود أن أدعوه للجلوس .. بجانبى لولا أننى وجدته يهم بالنـزول ..

فأخرجت ورقة بخمسة وعشرين قرشا بسرعة من جيبى وكورتها .. ثم وضعتها فى يده .. فردها بقوة بكل جسمه .. وعيناه مخضلتان بالدمع ..

فأعدت الورقة المالية ووضعتها فى يده .. وفى هذه اللحظة تحرك الترام بى وبعدت عنه .. وأبقى العجوز الورقة فى يده وهو ينظر إلى ما حوله فى حيرة .. وظل واقفا فى مكانه على المحطة بضع ثوان ثم تحرك فى تثاقل ..

وبعد أن سار الترام فى طريقه بضعة أمتـار توقف لعطلة فى الطريق .. فخطر ببالى سريعا أن أتبع الرجل العجوز .. وأعرف إلى أين يمضى فى الليل .. هل سينام فى جدار إحدى عماراته .. أم فى جدار مسجد ..

وأسرعت راجعا حتى بصرت به من بعيد .. ماشيا فى تثـاقل كعادته ..

ومشيت وراءه وهو لايشعر بى فى شارع الخليج حتى وجدته ينحرف إلى اليمين فى حـارة قواوير إلى زقاق ضيق مسـدود .. لاتزال بيوته القديمـة بمشربياتها وشرفاتها الخشبية بادية للعيان ..

وقرع بابا قديما ووقفت على مبعدة منه أراقبه .. والظلام لايجعلنى أتبينه بوضــوح .. فلم يرد عليه أحد .. فعاود الطرق ..

وبعد لحظات برزت من الداخل امرأة عجوز تلبس السواد .. خرج معها متعلقا بثوبها طفلان .. ينظران إلى الطارق .. وقد برقت أساريرهما .. ورأيت فى نظرات الثلاثة المعرفة والسرور .. بلقاء الرجل ..

وأمد الشيخ إبراهيم للمرأة العجوز .. بالورقة المالية التى أعطيتها له .. من ربع الساعة ..

ـ ما هذا كله .. يا شيخ ابراهيم ؟
ـ رزق الأولاد ساقه الله اليهم ..
ـ وأنت .. هل تعشيت ..
ـ نعم .. تعشيت والشكر لله ..

وشكرته المرأة .. بقلب حار .. معترف بالفضل .. وحيـاها الرجل وانصرف فى الطريق .. منكسا رأسه وحاملا المصاحف والكتب الدينية ..

وعندما اقترب من مسجد السيدة زينب جلس على البـاب يعرض بضـــاعته على الداخلـين والخارجين من باب المسجد ..

واشترى منه عابر طريق مصحفا .. ووضع خمسة قروش فى يده ..

ورأيت العجوز يتحرك فى الميدان بسرعة .. ويشترى رغيفا واداما .. ويجلس فى جدار المسجد يتعشى ووجهه يفيض بالسرور ..

وعندما دخلت المسجد لأصلى كانت صورة العجوز الإنسان لاتزال فى ذهنى .. ودعوت الله أن يمد فى عمره لأنه ينبوع خير للإنسانية .
=================================
نشرت القصة عام 1966 فى المجموعة القصصية " مساء الخميس " لمحمود البدوى
=================================






الذئب
قصة محمود البدوى




ظهر الذئب فجأة فى قرية " تل عمران " فروع أهلها .. وشل حركة الفلاحين فى المزارع .. وبساتين النخيل ..

وجعلهم يوقدون النيران فى أطراف الحقول .. ويطلقون البهائم من قيودها .. ويحبسون الأطفال فى المنازل من الغروب .. وأخذ الرجال الأشداء يهاجمونه عند سفح الجبل وفى المغاور وفى الأماكن التى يتصورون أنه رابض فيها .. وأطلقوا عليه ..

أطلقوا علية أكثر من الف طلقة من كل أنواع البنادق والمدافع الرشاشة ..

ولكنه كان يمرق كالسهم .. ويلف كالثعبان ويثب وثبة الأسد .. ويزوغ بين الكهوف كالثعلب ..

وكانوا يرون عينيه تقدحان بالشرر .. بعد كل قتال ينشب بينه وبينهم فيعرفون أنه حى .. وأن جهودهم ذهبت هباء ..

***

ومرت سنة وسنة مثلها .. والفلاحون يرون الذئب على حدود القرية .. وأصبح الذئب أسطورة .. ثم نسوه فترة من الزمان .. ولكنه عاد واحتل تفكيرهم .. فقد نهش فخذ طفل .. وهاجم رجلا حتى صرعه ..

فتجمع الفلاحون لمقاتلة هذا الوحش .. وخرجوا فى تجمعات لمحاصرته والقضاء عليه ..

***

ولكنه كان لايعبأ بشىء من هذا كله .. وكان لايثنيه أمر عن فريسته .. وأصبحت حوادثه .. وتحركاته فى قلب الليل تدور على السنة الفلاحين فى القرى والنجوع ..

***

وكان أهل القرية يبيعون الملح ويزرعون الشعير على ماء الأمطار .. فى رقعة صغيرة عند سفح الجبل .. وكانت هذه الرقعة لاتكفيهم .. ولا تقوم بأودهم .. فكانوا يتصارعون على الحياة ويقتتلون ..

وكترت حوادث السطو والنهب والأخذ بالثأر فى الطرقات والممرات الجبلية .. وندر أن يمر اسبوع دون أن تقع هناك حادثة مروعة ..

***

وفى ليلة حالكة قتل الشيخ " تغيان " من زراع القرية وكان عائدا من البندر .. وطير الخبر إلى المركز ..

وعرف اسم قاتله نعمان .. وكان فاتكا شديد البطش .. وبينه وبين القتيل خصومة قديمة ..

وخرج المأمور على رأس فصيلة من الجند .. لتحقيق الحــادث وللقبــض على الجانى قبـل أن يهرب فى دروب الجبل ..

ولما بلغ المأمور حدود القرية .. وجد أهلها على الجسر يبحثون عن شىء آخر .. عن غلام .. خرج بالبهائم إلى الحقل .. وعادت البهائم بدونه فتوجسوا شرا من الذئب .. وقالوا انه التقى به وأكله ..

وخرجت أمه تصرخ وتلطم خديها .. وخرج على صراخها الفلاحون بهراواتهم وبنادقهم إلى المزارع .. وأصبح المأمور أمام حادثة جديدة فانطلق يطارد القاتل .. ويبحث عن جثة الغلام ..

***

ولم يكتف الأهالى بهذا فاجتمع عند دوار " العمدة " حشد كبير من الناس .. وانطلقوا جميعا يبحثون عن الغلام فى كل مكان ..

***

وبعد ساعات عادت كل هذه الجموع أمام " الدوار " بخفى حنين .

وكانت أم الغلام تصرخ وتولول وأبوه يبكى .. وكل حاضر من هذه الجموع يصرخ فى أعماقه ويشعر بالانكسار .. لأن الحيوان تغلب على الإنسان وبطش به ..

ولما لم يعثروا على أى أثر للغلام .. سرت اشاعة مسرى النار فى الهشيم بأن الذئب أكل عظام الغلام ولحمه .. فخيم الحزن على النفوس ولطمت الأم خديها وتحولت القرية إلى مناحة .

وفى الساعة العاشرة ليلا سمع العمدة طلق النار بشدة .. واهتز الجو من الرصاص ونبحت الكلاب .. وتمنى العمدة فى هذه اللحظة أن تكون الداورية قد التقت بالذئب .. والتقت بالقاتل فصرعتهما .. معا .. ليستريح رجال الأمن من كل المتاعب .

وسمع بعد قليل أن الضربة كانت موجهة إلى الذئب .. وأن أحد الفلاحين صرعه عند التل فأرداه .. فتنفس العمدة الصعداء .. وخرج ليقابل الرجال الشجعان ..

ورأى جموعهم تقترب فى الظلام وهى تجر شيئا على الأرض ولما اقتربوا من النور أدركوا أن الظلام خدعهم .. وأنهم قتلوا كلبا .. من كلاب القرية ..

***

وأصبح أمل الأم بعد هذا أن يبحث لها العمدة عن عظام ابنها .. لتلقى عليه نظرة أخيرة .. وهى راضخة لحكم الله ..

***

ومع نور الفجر .. ظهر شىء يتحرك على الجسر ..
ظهر نعمان .. يحمل الغلام المفقود .. وكان الغلام بادى الاعياء من الدم الذى نزف منه .. وظهر من خلال ثوبه الممزق أسنان الحيوان فى لحمه ..

وكان نعمان ساكن الجنان ويمشى مشية من لايروعه أى شىء فى الحياة ..

وكانت بندقيته فى كتفه .. ولكنه ثنى مسورتها إلى الأرض .. وقبل أن يقترب من الرجال توقف .. ورأى سيارة البوليس من بعيد وحولها الجند .. فتسمر فى مكانه لحظات وانتفض جسمه وانتفخ وريده .. وهو ينظر إلى الغلام على صدره .. وقد شل جسمه عن الحركة ..

ثم تقدم .. صامتا .. وعيون الرجال والجنود مسلطة عليه .. حتى وضع الغلام على صدر أمه ..

وجفت القلوب .. وتحركت الأيدى على البنادق .. ولكن نعمان لم يحرك يده .. واستدار واتجه إلى سيارة البوليس الواقفة على الجسر .. وسلم سلاحه إلى الجندى الواقف هناك .. ثم ركب من الخلف ..

***

وأحس المأمور بأن شيئا يضغط على عنقه كأنه يخنقه .. فحرك رباط عنقه ثم تقدم نحو السيارة وصاح فى السائق .

ودار الموتور .. وانطلقت السيارة تحمل نعمان من الخلف .. مطوقا بالعساكر .

وفى الأمام جلس المأمور ومعه المعاون .. بجانب السائق .

وأخذ نور الصبح .. يشعشع ووضحت الرؤية وأسرعت السيارة تطوى الأرض طيا .. وفى أحد المنحنيات لمح المعــاون .. شيئا مكوما على الرمال .. وحوله خيوط من الدم ..

فقال للمأمور :
ـ انه هناك ..
ـ من ..؟
ـ الذئب ..

ورفع المأمور رأسه ونظر إلى هناك ثم رد بصره من خلال النافذة الصغيرة إلى الرجل الجالس فى الخلف .. فوجده قـد نكس رأسه وأطرق وعينه إلى الأرض .. التى تجرى تحته .
=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب المصرية فى 941957 وأعيد نشرها فى مجموعة " الزلة الأولى " لمحمود البدوى عام 1959
=================================


السكين
قصة محمود البدوى


عاد زكى إلى مسقط رأسه بعد غيبة طويلة .. ووجد القرية كما تركها منذ أربعة عشر عاما .. بنخيلها .. وبيوتها السوداء .. وأشجار الجميز الضخمة على الترعة .. لم يتغير شىء من معالمها .. ولم يتطور ، ورأى شيئا واحدا جديدا بجانب السكة .. بناية بيضاء فى الأرض الفضاء الملاصقة للسوق .. ووجد الأطفال يلعبون فى ساحتها .. ولما سمعوا الجرس انطلقوا إلى الفصول ..

وسر زكى لمرآهم .. ونظافة ثيابهم .. وحدث نفسه بأنه جيل جديد ينمو فى الهواء الطلق والشمس .. وليس فى البرك والمستنقعات كما نما هو وشب ..

وشعر برجفة وهو يغوص بنعليه فى التراب .. ويقترب من بيت والده .. وطافت برأسه الذكريات .. حتى تندت عيناه .. وكانت زوجته فوزية تمشى بجواره صامتة .. وتسحب الطفلين وراءها .. وكان هو يحمل سلة وضعوا فيها ملابسهم وبعض أشياء اشتراها لجنازة أبيه .. سجائر وبن ..

ولاحظ وهو يمشى على جسر الترعة .. أنه قد خرج من المحطة ولم يعرفه أحد من الأهالى .. كان يرتدى بدلة سمراء قديمة .. ولكنه حرص على أن تبـدو نظيفة ، فلبس فوقها وهو فى القطار جلابية حتى لا تتسخ ..واشترى لزوجته فستانا جديدا أسود .. ولولديه جلبابين ليبدوا جميعا فى أحسن حال .. ولكن عينيه كانتا تخونانه .. وصفحة وجهه كانت تنطق بالتعاسه .. وتعبر عن مقدار ما يعانيه من الألم والجوع ..

***

ولما اقترب من البيت مسح عينيه .. وأدخل امرأته مع الطفلين من باب الحريم ثم تقدم إلى المضيفة .. ورأى ثلاثة أشخاص على بابها ينتظرون المعزين .. وبينهم أخوه عبد الرءوف .. فسلم عليهم ودخل ووجد الناس جالسين فى صفوف على الدكة والكراسى .. فجلس فى أول مكان صادفه .. وعرفه أخوه .. حسانين وكان قريبا من الباب ولكنه لم ينهض إليه ..

وبعد فترة قصيرة .. عرفه الجالسون عن قرب .. وبدأ الهمس فى الجنازة وتركزت عليه عيون أهل القرية .. وكان المقرىء يرتل القرآن فاكتفوا بتسديد نظراتهم نحوه .. فلما فرغ المقرىء من التلاوة .. نهض الشيخ سعفان مأذون القرية وخطيبها .. وجلس بجواره يواسيه فى مصابه .. ثم أقبل الشيخ رضوان وكيل العمدة وجلس عن يمينه وحوله بعض الفلاحين .. وبدا من نظرتهم جميعا أنهم أنكروه ، فقد فوجئوا برقة حاله وبساطة ملبسه .. على خلاف ما سمعوا عنه .. فقد قيل لهم أنه يدير عملا مربحا .. وأنه " حوش " الألوف .. فوجدوه أفقر منهم ..

وكانت عيونهم جميعا تود سؤاله ومعرفة أحواله ، ولذلك شعروا بالراحة عندما سأله الشيخ سعفان :
ـ فين .. دلوقت .. يا زكى أفندى ..؟
ـ فى إسكندرية ..
ـ إسكندرية واسعة .. فين يعنى ..
ـ فى كرموز ..

وارتعش فمه فضم شفتيه .. ولاحظوا اضطرابه فأسكتهم الشيخ رضوان بعينيه .. لم يسألوه شيئا آخر .. وقالوا له :
ـ ربنا يعينك ..
وقدم له الشيخ رضوان سيجارة .. فأشعلها ونكس رأسه .. ولاحظ زكى أن ضوء " الكلوب " يسقط على كم سترته الممزق .. فثناه ليخفى التمزيق .. ولكن الكم كان يعود إلى وضعه الطبيعى من أقل حركة وزاده هذا اضطرابا ..

وكان الأهالى من القرى المجاورة يعزون اخوته الثلاثة .. أما هو فلم يتقدم إليه أحد بتعزية لأنهم لم يعرفوه .. فلما عرفوه .. كانوا يتجاهلون وجوده ..

***

وحوالى الساعة التاسعة ليلا .. والبرد يسفح الوجوه .. شاهد زكى ابنه " بليغ " يقف على باب المضيفة حائرا .. يبحث فى الوجوه .. فلما استقر بصره على وجه أبيه قفز إليه .. وهمس :
ـ ماما .. عاوزاك ..
وكان يبدو على الغلام أنه ضرب حتى بكى ..
فاحتضنه زكى لحظة ..
وقال أحد الموجودين :
ـ ابنك دا يا زكى أفندى ..؟
ـ أيوه ..
ـ من الست ..
ـ أيوه ..

ونهض .. ليقطع الحديث .. ودخل على الحريم .. ووجد قريباته جالسات فى الصالة ، وكان هناك " فانوس " فى السقف .. يرسل الأضواء على وجوههن .. وبحث بينهم عن زوجته .. فوجدها هناك تجلس وحدها .. وعلى وجهها الحزن الأخرس .. وكان ابنها الصغير .. نائما بجوارها .. من غير غطاء ..

ووجد العيون جميعا ترمقه .. وسمع عمته نبوية تسأل :
ـ دا بسلامته .. زكى ..
ـ أيوه يا عمتى ..
ـ مالك .. كده .. اتغيرت .. وأنت لسه صغير .. ماتطلعش من دور ابنى عبد السلام ..
ـ كده .. الدنيا ..
ـ كده يا ابنى .. عذبت نفسك وعذبت " أبوك " .. مات وكبده مقطع منك ومن عمايلك .. وخليته حرمك من الميراث ..
ـ أنا مش عاوز حاجة من حد ..
ـ يا ابنى مسكين .. وباين عليك الجوع .. والعرى .. والست بترقص فينهى كباريه ..
ـ يا عمتى بلاش الكلام دا .. احنا جايين ليلة نحضر الجنازة .. ومن الفجر مسافرين ..

ونظر إلى زوجته المسكينة .. فوجد وجهها يتمزق من السياط التى تلهبه .. وأنبه ضميره لأنه السبب فى كل هذه الآلام .. فقد كانت ترفض أن تسافر معه ولكنه ألح عليها فى السفر لأنه كان يتصور أن أهله ينسون كل شىء بعد وفاة أبيه .. وليريهم أن زوجته امرأة ككل النساء .. وليست كما يتصورون .. ولكن ظنه خاب .. وأخطأ فى كل تقدير .. فالعزبة غير المدينة ..

وحدثته زوجته وهى باكية بضرورة السفر الليلة فعرفها أنه لاتوجد قطارات فى الليل تقف على هذه المحطة الصغيرة .. فحزنت ، وقضت الليلة فى مكانها .. منبوذة لايحادثها أحد .. وقدموا لها الطعام مع الخدم فرفضت أن تأكل ..

***

ونزل هو إلى المضيفة .. جلس فى بيت أبيه كالغريب .. جلس فى البيت الذى ترعرع فيه ، كأنه لاتربطه به صلة ، شعر بشىء يتمزق بداخله .. وأن السكين الحادة التى قطعت صلته بأبيه وأخوته .. قد وصلت إلى الأعماق .. وتساءل .. أتشعر بهذا ، وينظر الناس إليه هكذا .. لأنه حرم الميراث .. لأنه لاصلة مادية تربطه بالأسرة .. وهل هذا الشىء المادى هو الذى كان يربطه بأهله ، فلما أصبحت هذه الصلة غـير موجودة أصبح هو غير موجود فى نظرهم .. وعذبه التفكير ..
وأخذه الشيخ رضوان ليتعشى وينام فى بيته ..

***

وفى الصباح جلس الشيخ رضوان يشرب مع ضيفه الشاى وقال زكى وكأنه يحدث نفسه :
ـ فكرت .. وأنا فى القطار أن أعيش فى بيت أبى .. لأنه قد خلا واخوتى ، كل يعيش فى بيته الخاص .. وفكرت فى أن أزرع فدانين أو ثلاثة بالإيجار فإن الزراعة ليست غريبة علىَّ .. أنها مهنتى .. فكرت فى هـذا .. ولكن أخى عبد الرءوف قال لى أن بيتنا لا تعيش فيه الراقصات ..
ـ يجب أن تعرف طباع الناس فى الريف .. والقرية صغيرة ..
ـ ولكنها لم ترقص فى حياتها سوى ليلة واحدة .. الليلة التى شاهدتها فيها وفى اليوم التالى .. كانت فى بيتى .. وكانت زوجتى .. وهى امرأة شريفة ككل من تعرفهم من النساء .. ولقد أنقذتها من الدنس .. فهل أعاقب على هذا إلى الأبد ..
ـ ولماذا لم تنجح فى حياتك وأنت متعلم .. وغيرك من الجهلاء يتركون القرية إلى القاهرة والإسكندرية .. ويعودون بثروة ..
ـ لقد لازمنى سوء الحظ .. وكلما تقدمت لعمل .. أشاع الناس عنى أن والدى طردنى .. لأننى تزوجت راقصة .. وأننى فاسد .. فهل ينجح فى الحياة من يوصم بهذه الوصمة ..

هناك سكين حادة تقطع صلتى .. بالحياة والناس فتقطعت بى الأسباب وعشت ضائعا ..
ـ فى اعتقادى .. أنك ضعت .. لأنك كنت دائما تشعر بأنك أخطأت وارتكبت اثما .. وأنت عاص .. فانغمست السكين فى ظهرك وحملتها ودرت بها ولهذا لم تنتصب أبدا ..
ـ وماذا أعمل الآن ..؟ هل أميت الأطفال جوعا ..
ـ أخرج هذا السكين من ظهرك وإذا كنت تشعر بالوزر الآن لأنك تزوجت براقصة فطلقها .. وواجه الحياة والناس ولا تجعل شيئا يشدك إلى الأرض .. واترك هذه الحساسية الشديدة التى حطمت أعصابك ..

وابتسم زكى .. وأطرق .. ثم رفع رأسه على صوت الشيخ وهو يقول :
ـ والآن هيا لتأخذ " قطر تسعة " وسأذهب معكم إلى المحطة ..

وخرج زكى واسرته من القرية كما دخلوها .. دون أن يحس بهم أحد .. ورافقهم الشيخ رضوان إلى المحطة .. وقطع لهم التذاكر .. وقبل أن يدخل القطار .. وضع فى يد زكى حزمة من الأوراق ..
فسأله زكى فى استغراب :
ـ ما هذا ..؟
ـ هذا دين للمرحوم والدك عندى .. دين قديم .. وكنا نتعامل من غير سندات مكتوبة .. ولقد قررت بعد أن علمت حرمانك من الميراث .. أن أعطيه إياك وحدك .. لأنه حقك ..
ـ ولكنه مبلغ كبير ..
ـ ابدأ به الحياة ..
ـ أشعر الآن بأن السكين خرجت من ظهرى ..

وتناول يد الشيخ ليقبلها فجذبها هذا سريعا .. وصفر القطار ..

وعندما نظر زكى إلى طفليه وزوجتـه فى العربة .. وجدهم يبتسمون .. ولم يعرف سبب ابتسامهم .. فتقـدم إليهم مبتسما لأول مرة .. وبدت المزارع نضرة على الجانبين .. كل شىء باسم ..

====================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب فى 4/1/1957 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " زوجة الصياد " و " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر ط 2006
====================================







نشرت القصة فى مجلة " كليوباترا " بعددها الرابع 16/9/1946

زهور ذابلة
قصة محمود البدوى


غادرنا الجيزة تلك المدينة الفقيرة الكئيبة ، وانحرفت بنا السيارة فى طريق طويل على جانبيه الشجر ..

وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب وبدت المزارع والجداول ومن ورائها الأهرامات .. أشد شىء أخذًا فى تلك الساعة من النهار ..

وكانت السيارة من سيارات نقل الموتى .. كانت طويلة وأنيقة ومن أحسن طراز .. وكانت مقسمة إلى ثلاثة أقسام .. القسم الأمامى منها للسائق، والخلفى للميت ، والوسط لأهل الميت ، وفى هذا المكان جلست وحيدًا مكروبا ، وعيناى سابحة فى الأفق ..

وكانت الجلسة فى السيارة مريحة ، ولكن أعصابى كانت متوترة ، وكنت أشعر بضعف جسمانى شديد ، فلقد مرت علىّ أيام ثلاثة لم أذق فيها النوم إلا قليلا ..

كنت أحمل العبء وحدى .. ولقد بذلت كل ما فى وسعى ، وبذل معى الأطباء لننقذ أحمد ، ولكن نفذ القضاء ، وذهبت جهودنا كلها هباء ..

انتهى فى الساعة الرابعة من الصباح ، ولم ينبس بكلمة ، وكنت بعيدًا عنه .. وجئت لزيارته فى الصباح ، ومعى باقة من الورد وزجاجة من العطر ، وكان يحب الورود والرياحين .. ودخلت غرفته على أطراف أصابعى كعادتى .. ولكننى وجدت سريره خاليًا .. فأدركت أن كل شىء قد انتهى ..

وسمعت من يقول :
ـ حدث له نزيف داخلى ..

وهكذا انتهى وهو أشد ما يكون شبابًا وفتوة ، انتهى فى الساعة التى بدأت فيها الحياة تبسم له بعد طول عبوس ، وتتطلع عيناه إلى الحياة السعيدة بعد طول جهاد وعناء وكد .

ولقد أخذ فى أيامه الأخيرة يكثر من الكلام ، على الرغم من طبيعة الصمت التى لازمته وكان يقول لى :

« إن المرء لا يعرف قيمة الحياة إلا إذا رقد على هذا السرير .. إن هذه الرقدة تكرهك على التفكير .. والتفكير فى الأشياء التى لم تكن تخطر لك على بال .. والمرء بعد المرض يزداد صلابة وقوة وعزما ، وتعمق نظرته للحياة ، ويصل به التأمل إلى أعمق أعماقها ، لقد كنت أفزع من وخزة دبوس .. وأنتفض فرقًا من لا شىء .. فلما رأيت هؤلاء المرضى الأبطال الذين يتعذبون فى صبر وصمت ، أدركت نعمة الصبر التى تنزل على الإنسان فى محنته .. وأخذت أخجل من نفسى عندما كنت أتألم من لا شىء كطفل صغير .. والألم يصهر النفس ويخلصها من الأدران ، وأنت لا تعرف نعمة النفس المطمئنة إلا إذا رقدت هذه الرقدة .. هنا تصفو نفسك من الشهوات وتدرك أن كل شىء باطل .. كل شىء زائل .. نفس يخرج ولا يرتد ثم ينتهى كل شىء .. إنه حقًّا شىء مروع ، ولكن لا بد أن ينتهى بنا المصير إلى هذا ...... » .

وتحولت بعد هذه الخواطر إلى المروج المحيطة بنا ، وكانت السيارة تخطف خطفًا .. والغسق يزحف والنهار يولى ..

ما أعجب الحياة .. وما أعجب الموت .. نفس واحد يخرج ولا يرتد ثم ينتهى كل شىء ... هكذا ... أخذت أدير كلام صاحبى فى رأسى وأذكر الصور التى مرت علىَّ فى المستشفى ..

كان هناك رجل فى الغرفة المجاورة لغرفته .. وكنت أرى هذا الرجل كلما ذهبت لزيارة أحمد ، وفى أصيل يوم كان باب غرفته مفتوحًا ، وكان الرجل راقدًا فى سريره ، وعلى رأسه ابنته .. وكان يتحدث إليها بصوت عال ، وهو مفتر الثغر طروب .. وبعد دقائق قليلة سمعت حركة فى غرفته ، ودخل الطبيب وبعده الممرضة ، وخرجت الممرضة وفى يدها حقنة فارغة .. ! وبعد لحظات عاد السكون إلى الغرفة .. وانتهى ميعاد الزيارة .. وفى طريقى إلى الخارج سمعت الفتاة تبكى .. وتلفت .. وتقدمت نحو غرفة الرجل .. فوجدته على حاله كما رأيته من قبل ولكنه لم يكن يتنفس..!

وكانت السيارة تتمهل قليلا ، وهى تجتاز بعض القرى .. وكان القرويون يتطلعون إلى السيارة ، فإذا أدركوا أنها من سيارات نقل الموتى ، ذكروا الله وترحموا على الميت .. ولقد رأيت فى هذه الوجوه من العواطف الإنسانية ما جعلنى أنسى كل ما لقيته فى المستشفى من عناء ونصب .

إن العاملين فى هذه المستشفيات قد تجردوا ، كما خيل إلىَّ ، من كل عاطفة بشرية .. يستوى فى ذلك الطبيب المتعلم والممرض الجاهل .. والسرير عندهم أغلى من الراقد عليه ، وهم ينقلون الميت من سريره إلى غرفة الموتى ، ويتنفسون الصعداء ، وكأنهم يرمون بكلب أجرب إلى الطريق ..

إنها الحياة فى تلك المستشفيات ، الحياة التى لا تعرف الرحمة ، الحياة التى تسحق الضعيف والفقير سحقا ..

***

وقفنا عند مقهى صغير فى الطريق ، ونزل السائق ليشرب الشاى .. فهو وإن كان فى شرخ شبابه وريعان صباه ؛ ولكنه سيسهر طول الليل .. وسيقود السيارة فى تلك الظلمة الشديدة اثنتى عشرة ساعة وقد تزيد ..

وعاد إلى السيارة وقد عصب رأسه واستعد لليل .. وكان هادئًا قوى الأعصاب قليل الكلام .. ولعله تعود ذلك بحكم عمله .. وكان ينهب الأرض نهبا وكأنما يسير بالسيارة على بساط معلوم .. وقد استرحت إلى صوت السيارة وحسها فى الطريق ..

وأرسلت عينى إلى الليل الساكن ، وإلى الريف الحزين ، وكنت شبه نائم ، واسترحت إلى هذا السكون ، وإلى نسيم الليل ، وإلى الوحشة الشديدة .. فما اعترضتنا سيارة ، ولا رأينا ظل شبح فى الطريق..

كان الطريق مقفرًا ، والليل رهيبًا موحشا ، وكل شىء يبعث على السكون ، إنها سيارة الموتى وكل شىء ميت فى الطريق ..

وكنت أستفيق من ذهولى على صوت جندى المرور فى النقط ، وما أكثر هذه النقط فى الطريق .. كان يعترض السيارة وبيده فانوسه الأحمر :
ـ كل شىء تمام يا أسطى .. ؟
ـ كل شىء تمام يا أفندم ..!
وتحركت السيارة ..

***

وأغمضت عينى .. وكنت أود لو أنام كما ينام قريبى فى الجزء الخلفى من العربة ..

ولعلى غفوت .. فقد تنبهت على حركة السيارة وهى تقف عند نقطة من نقط المرور .. وكان هذا الجندى فارعا ، أسود كالليل .. ودار حول العربة ، ورفع مصباحه فى وجه السائق ، وطلب التصريح .. ثم قرأه .. وطواه ورده إليه .. ودار حول العربة مرة أخرى .. ! وفتح الطريق فى تثاقل ..

وتحركت السيارة ، وسمع السائق من يهتف به فلم يتوقف ، فأشرت عليه بالوقوف .. فوقف .. وسمعنا من يقول :
ـ من فضلك خذ هذه الست معك إلى سمالوط ..

وكان رجلا من الفلاحين .. وخلفه امرأة على رأسها متاعها .. ولم يرد عليه السائق وظل صامتا .. ولما اقترب الرجل من العربة ، وأدرك أنها من عربات الموتى .. أظهر أسفه وهم بالانصراف ..
فقلت للسائق :
ـ خذها بجوارك ..
وركبت المرأة .. وانطلقت بنا السيارة ..

***

وكانت المرأة جالسة فى الركن الأيمن من المقعد .. أمامى .. وكانت صامتة ، ولم أستطع أن أتبين من جلستها سوى أنها طويلة القامة .. وكانت طرحتها السوداء تغطى رأسها وعنقها ومنكبيها .. وكان النور فى المقعد كابيا.. وجلستها معتدلة ، فلم أستطع أن أقرأ صفحة وجهها ..

وكان السائق قبل أن تجى المرأة قليل التدخين .. فلما ركبت بجواره أشعل سجائر كثيرة .. وبدت على يديه دلائل التوتر .. وابتدأ يتكلم ..! ورأيته ينظر إليها نظرة جانبية سريعة ثم عاد إلى الطريق .. واجتزنا قنطرة ، ثم مررنا على جسر من الجسور فسار عليه مسرعًا ، وأدركنا بعد مسير أكثر من عشرة أميال أننا ضللنا الطريق ، فارتد وعلى وجهه دلائل الغضب .. ولما بلغنا قرية من القرى توقف ، وأمر المرأة بالنزول ..
فسألته :
ـ لماذا .. ؟
ـ أنا سائق لعربة الموتى يا سيدى ولا أحب أن تجلس نساء بجوارى .. !
ـ ولكن أين تذهب هذه المسكينة فى هذا الليل .. ؟ .
ـ وراءنا سيارات كثيرة .. . وهذه ليست عربة للركاب ..

قلت له أخيرًا :
ـ دعها تركب بجوارى ..

ففتح لها باب المقعد من الناحية اليسرى .. وصعدت المرأة وهى صامتة وتحركت السيارة ..

***

وجلست المسكينة منزوية فى العربة ، وقد غطت وجهها كله ، واتجهت إلى النافذة المفتوحة .. وبدا لى أن أرفه عن نفسها لما نالها من كلام السائق ..
فسألتها :
ـ أنت من سمالوط .. ؟
ـ لا .. يا سيدى .. أنا رايحة لأختى عند نخلة أفندى ..

قالت هذا فى صوت ناعم ، وفى سذاجة أزاحت الهم عن صدرى .. وجعلتنى آنس بها ، وأكثر من الحديث معها ..
وأدركت وأنا أتحدث مع هذه المرأة ، لماذا يجتمع الناس فى الجنازة ويعزون أهل الميت .. ؟ فقد تحملت ثقل الحزن وحدى ، ولم أجد فى المستشفى صديقا ولا رفيقا بل حانوتية فى كل مكان .. يساوموننى على نقل قريبى كأننى سأشحن بضاعة إلى السوق ..

ولما سألتنى عن أحمد وعرفت أننى أحمله إلى أبيه وأخته ، وهى فى مثل سنها اخضلت عيناها بالدمع .. فأغرورقت عيناى .. ووددت لو أمسح بيدى على ذراع هذه المرأة وألمس خديها .. ثم أدفن صدرى فى صدرها وأبكى ..

وتراجعت إلى الخلف ، ورأيت وجهها لأول مرة ، وهى تنظر إلىَّ فى سكون وحزن .. كانت جميلة وصغيرة .. وقد بدا يعصرها الفقر .. حزن بارز على الشفة ، وجوع واضح على الخدين ، ووجه لوحته الشمس فى الحقل أو فى الطريق .. لم أكن أدرى ..

كانت تنظر إلىّ بعينين ذابلتين .. وتحاول أن تصل بهما إلى أطواء نفسى ، ولكننى وجدت نفسى مرة أخرى أغيب عنها ، وأرسل البصر إلى الليل ..

وأخذت أرقب النجوم وأفكر .. إننى الآن فى عربة .. وبجوارى فتاة ريفية فى مثل جمال الفجر .. وهى تنظر إلىّ ، وقد يكون فى نظرتها اشتهاء .. ولكننى بعيد عنها ، وإن كنت أقرب شىء إليها .. بعيد عنها بجسمى ونفسى أفكر فى الموت .. وما بعد الموت .. والزهور الذابلة فى الحديقة .. والأوراق التى تتساقط من الشجر .. وأحمد الذى بينى وبينه نافذة زجاجية صغيرة .. فإذا فتحتها ، ربما طالعتنى رائحة كريهة ، عفن الموتى .. ما أعجب الحياة .. الشاب الذى كنت أحادثه بالأمس ، قد غدا اليوم جيفة .. !

ونظرت إلى متاعه الذى وضعناه بجواره .. ووددت لو أقهقه ، وأجلجل بصوتى ، وأقطع هذا السكون العميق ، وفى هذا التيه من الخواطر المحزنة تنبهت على حركة شديدة فى محرك العربة .. وخفت سرعة العربة .. ثم وقف المحرك ..

***

ونزل السائق ، ودار حول مقدمة العربة .. ثم انحنى ورفع الغطاء .. وأخذ يعالج تلك الآلة الدقيقة .. وبعد دقائق قليلة كان عرقه يسيل ، وظهر على وجهه اليأس ..

وأخذت الهواجس تدور فى رأسى .. ماذا يحدث .. لو تقطعت بنا السبل ، وبقينا فى هذا المكان إلى الصباح .. وكان السائق ينظر إلى الطريق يمينا وشمالا وهو حائر ..

ورأينا نور سيارة من بعيد .. واقتربت وكانت من السيارات الكبيرة المتجهة إلى القاهرة .. ولوح لها السائق بيده فتوقفت ونزل سائقها .. ونظر فى محرك العربة ، وأدرك العلة .. وركب معه سائقنا إلى مغاغة ليجىء بمن يصلح السيارة .. وبقيت وحيدًا مع المرأة فى هذا الليل ..

***

بقينا صامتين مدة طويلة .. وكنت مضجعنا ، ومرسلا بصرى إلى سقف العربة .. وكانت هى مائلة إلى النافذة ، ومطلة برأسها على الطريق .. لم تكن تتحرك .. حتى يخيل للناظر إليها أنها نائمة .. ما أشد سكون هؤلاء القرويات وما أحلى وداعتهن .. أى سر فى الحياة ..

بعد أن بارحنا السائق بلحظات ، ووجدت نفسى وحيدًا مع هذه المرأة .. سرت فى جسمى رعشة .. ووجدت الدم يتدفق فى عروقى من جديد .. ونسيت المرض والحزن .. والموت .. هل كنت أتمنى هذه اللحظة ، وأنا فى غمرة هذه التعاسة المرة ، وهذا التعب الجسمانى البالغ .. ؟ ربما .. فقد شعرت بعد أن تركنا السائق أن حملا قد انزاح عن صدرى . وأن الفاصل الذى كان يحجب عنى هذه المرأة قد أزيل .. ونسيت الموت .. وصاحبى الراقد خلفنا فى العربة .. نسيت كل شىء يتصل بهذا ، واتجهت بكليتى إلى هذه المرأة ، وكانت قد رفعت رأسها وواجهتنى ..

ونظرت إلىّ .. وعاودتنى الرعشة من جديد .. وابتدأ العرق ينضح على جبينى .. واقتربت منى وقالت فى صوت خافت ..
ـ أخائف .. أنت .. ؟

فقلت لها بصوت يرتعش :
ـ أبدا ..

ومددت يدى دون وعى ، كانت يدى تزحف فى الظلام كالعنكبوت ..
ـ يدك ساخنة .. !

ولم أقل لها شيئًا .. وتركت يدى فى يدها .. وأغمضت عينى ..
ـ مالك انت محموم ..؟
أنا محموم ..! كان العرق يسيل من جسمى كله .. وكنت أرتعش .

ومرت يدها على يدى وذراعى .. ووجدت يدى تمسح على ذراعها .. وشعرت بنعومة بشرتها تحت ملمس أصابعى .. وأحسست بجسمى يتخدر .. وسكنت الرعشة وجف العرق .. وانحدرت يدى عن ذراعها .. وكأنى كنت فى غيبوبة ورجعت إلى نفسى ، وبحركة لا شعورية .. مددت رأسى ونظرت من النافذة .. إلى صاحبى .. وكان فى نعشه وعليه الغطاء الحريرى .. هل تصورته تحرك ، ونظر إلينا ..

ووضعت يدى على جبينى ، وملت إلى النافذة ، وابتعدت عن هذه المرأة ..

وبعد قليل عدت أفكر فيها من جديد وكانت قد وضعت رأسها على كفها ، ومالت إلى الوراء ، وأغمضت عينيها .. إنها تحاول النوم ، أو تحاول الإغراء ..

هل تحاول هذه القروية معرفة ما يدور فى رأسى .. إننى محطم الأعصاب من طول ما لا قيته من عناء فى الأيام الماضية ، وكنت أود رفيقا أو أنيسا فى الطريق ، وقد وجدت هذه المرأة .. وجدتها رفيقى وأنيسى عندما كانت السيارة تسير ونورها يخطف البصر فى الطريق .. ولكن بعد أن توقفت السيارة، وأطفئت الأنوار .. انقلبت عنصر شر لى .. وزادتنى عذابا وألما .. فجلست بجوارها قلقا مهتاج الأعصاب ، لا أستقر على حال وأخذت أهز ساقى وأحاول أن أصرف ذهنى عنها ، ولكن هيهات ..

كانت روحى قد تخدرت وتقمصنى الشيطان .. وبدا لى أن خير ما أفعله هو أن أتحرك ، ففتحت باب السيارة .. فأحست بى ..

وسألتنى فى جزع :
ـ إلى أين ..؟
ـ سأتمشى قليلا ..
ـ لا تبتعد ..
ـ أتخافين .. ؟
ـ أنا .. أبدًا .. وإنما أخاف عليك من الذئاب ..؟

ونزلت وكانت تنظر إلىَّ بجانب عينها وتبتسم فى خبث ظاهر ..!
ـ الذئاب ..!
وضحكت ..

لقد أفلت من يدها .. وشعرت بعد خطوات قليلة بالراحة التامة وفعل نسيم الليل فى الصيف ، والهواء الطلق فعل السحر فى جسمى ونفسى ..

***

وعاد السائق وأصلحت السيارة ونزلت المرأة فى سمالوط .. وتنفسنا الصعداء وانطلقت بعدها السيارة بأقصى سرعتها ليعوض السائق ما فاته .. وبلغنا منفلوط قبل أن يتنفس الصبح ..

***

ووقفت بنا السيارة أمام منزل الميت .. وصعدت ومعى الحقيبة التى فيها متاعه ، واستقبلتنى أخته فى نهاية الدرج ، وكانت فى لباس أسود ، ولكنها لم تكن تولول أو تصيح ..

كان حزنها دفينا صادقا .. شددت على يدها وتهالكت على أريكة قريبة ، وأدرت عينى فى المكان باحثا عن أبيها ..

وعرفت نظرتى وقالت بصوت مفجوع :
ـ إنه نائم .. جاءته برقيتك وهو فى فراشه ومن وقتها لم يتحرك .. وقد أخبرت الشيخ عبد الحفيظ .. وأعد كل شىء ..

ولم أعجب لذلك فقد كنت أعرف عنه الكثير .. ورفعت عينى إلى أمينة التى عاش من أجلها أحمد ، ولأجلها ضحى بكل شىء ، لأنه كان يعرف أن والده ميت حى .. لقد غدت امرأة .. الفتاة التى كانت تصنع لنا القهوة فى ليالى الامتحان قد اكتملت أنوثتها . وجمعت كل مفاتنها ولقد زادها الثوب الأسود جمالا ..

ونظرت إليها وقلت بصوت حزين :
ـ أيقظيه فالوقت متأخر ، والسائق يجب أن يعود بالسيارة قبل ..

ولما سمعت كلمة السيارة أجهشت بالبكاء .. وكان فى ناحية من البيت بعض النسوة فتركتها لهن ، ودخلت على أبيها فى فراشه ، وكان نائما على سرير من الحديد .. وتحته لحاف قذر كله حروق حمراء مستديرة .. وكان بجواره منضدة صغيرة عليها بقايا تبغ محترق .. وآثار قهوة فى فنجان .. ثم زجاجة فارغة من الخمر .. وكأس مقلوبة .. وآثار خمر على الأرض .. وفى الفراش .. وكان منظر الحجرة كريهًا ..

هذه هى حجرة مصطفى أفندى وهو فى فراشه .. كل شىء يبعث على الاشمئزاز .. حجرة سكير .. غارق فى الخمر إلى الأذقان .. ووقع نظرى على الدوائر الحمراء فى اللحاف .. وهو نائم عليه دون حس أو حركة .. إنه يدخن وهو مضطجع .. ويغلبه النعاس فتسقط يده بالسيجارة على الفراش ..

ووضعت يدى على عاتقه وهززته بقوة فتحرك بعد لأى .. وقام كأنه يجر إلى المشنقة .. متثاقلا متخاذلا.. واعتمد على ذراعى ، ونزلنا إلى الشارع ولما رأى السيارة انتفض .. ودب فى جسمه نشاط عجيب ، وأخذ يولول وينوح..! وجمع علينا القرية بكل من فيها من رجال ونساء ..!

***

وعدت من المقبرة إلى المنزل وقد بلغ منى الجهد .. ونمت نوما متقطعا وحلمت أحلاما مزعجة .. وكنت كمن أصيب بالحمى .. فذهل عن كل شىء وأخذ يهذى .. ويطلب الماء فى كل دقيقة ، وفى جوفه أتون مستعر .. وأتت إلىّ أمينة بمنديل سقته بالخل وعصبت به رأسى .. فقد أصبت بضربة شمس ..

وفتحت عينى فإذا الليل قد أرخى سدوله على القرية .. وكان العرق قد تفصد من جسمى كثيرًا فشعرت بعده بالارتياح والانتعاش والعافية ..

ورحت أسترجع كل ما مر علىّ فى الأيام القليلة الماضية .. ثم تحركت من فراشى ، ونظرت من النافذة إلى الحقول وكان السكون يخيم ، والقرية ساكنة ، وسمعت حسا وحركة .. فأصغيت ..

سمعت صوت أمينة كانت تتحدث فى صوت خافت يشبه الهمس ، ثم ارتفع صوتها ، ووضح صوت أبيها واشتد بينهما الكلام والعراك ، وسمعتها تنتحب ، فجريت نحوهما فوجدت والدها واقفا على سلم البيت وبيده شىء ، والفتاة تشده منه بقوة وهو يجاذبها فيه بعنف ، ويصيح مهددًا ..

وكان أحمر العينين أغبر السحنة ، ولما بصر بى صمت فجأة وترك ما فى يده ، ووقع بصرى على ما كان فى يده ، إنها بذلة أحمد التى حملتها معى من المستشفى .. !!

وضمتها أمينة إلى صدرها وأخذت تنشج .. ووقف هو مشدودًا إلى الأرض فاغرًا فاه ، وهو لا تكاد عينه تطرف ، ونظرت إليه فى قوة ، إنها بذلة أحمد وهو ذاهب بها إلى السوق ليبيعها ، ويشترى بثمنها زجاجة من الخمر ..

نظرت إلى هذا الرجل الذى يقف الآن ذليلا أمام شاب فى سن ابنه ، لأنه يدرك شناعة فعلته ، ولكنه لا يستطيع أن يملك من أمر نفسه شيئًا .. لم تعد له إرادة على الإطلاق ، إنه الضعف البشرى ، إنها الإنسانية المعذبة .. نظرت إليه فى وقفته الذليلة هذه .. وتذكرت فى الحال أبطال دستويفسكى العظيم ..

وكنت أود لو أمسك بيد أمينة وأقول لها .. اركعى معى أمام والدك المسكين .. السكير .. كما فعل رازكو لينكوف أمام امرأة سقطت .. وقبلى الإنسانية المعذبة فى شخصه .. إن والدك ليس فظا ولا حقيرًا ولا جشعًا كما تتصورين ولكنه لا يملك من أمر نفسه شيئًا ..

***

انسحب مصطفى أفندى من أمامنا ، وأخذت أحادث أمينة حتى كفت عن البكاء ..

واستيقظت فى الصبح على صوت أمينة وهى تبكى .. وعلمت أنه غافلها وأخذ البذلة .. وعاد ومعه زجاجتان من الخمر .!

ودخلت عليه حجرته فإذا به مستغرق فى نوم عميق كما شاهدته أول مرة ، وفى اللحاف آثار حروق جديدة .. ! ورائحة الخمر تنبعث من كل مكان فى الغرفة .. !

***

وبعد ساعة كنت أركب سيارة صغيرة إلى المحطة ، لنأخذ القطار السريع إلى القاهرة .. وكانت بجوارى أمينة .. كانت صامتة ، ولا تزال فى ثوبها الأسود .. وفى عينيها بقية من دمع ، ولكن وجهها كان يشرق ويغمر نفسى نورًا ..

=================================
نشرت القصة فى مجلة كليوباترا 16/9/1946 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص " العربة الأخيرة " لمحمود البدوى عام 1948 وبمجموعة " قصص من الصعيد " فى سنة 2002 من اعداد وتقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر بالفجالة
================================








الثعـبـــان

قصة محمود البدوى




مررت على الشيخ عبد العليم بكر وهو جالس تحت شجرة من شجر النبق قريبا من السكة الزراعية وحوله بعض الفلاحين .. وكان يحاسبهم على مياه " الوابور " فدعانى إلى مجلسه لأشرب القهوة ولأشترك معه فى الحساب .

ولما كنت عطشان وتعبا من المشوار الذى قطعته بالركوبة فقد ملت إلى الظل لأن الحرارة فى ذلك اليوم كانت شديدة والهواء اللافح يشوى الوجوه .. وكانت معى جريدة الصباح اشتريتها من محطة بنى حسين فأخذ الشيخ عبد العليم يقرأ الأخبار ويسألتى عن سبب فتح بورصة القطن .. وعن تعميم مياه الشرب فى القرى وعن الجمعيات التعاونية لمعاونة الفلاح .. وعن المجمع الذى دقوا له الحديد فى شرق البلد ..

وكان الفلاحون يستمعون إلينا ولا يعلقون بشىء على ما نقول .. لأننا فى نظرهم متنورون وهم لايرتفعون إلى مستوانا فى الادراك والفهم .

وتوقف الشيخ عبد العليم عن الحديث ورأيته يرقب شخصا يتخطى مجراة الوابور .. وخلفه خفير الزراعة عبد البصير وعرفت الرجل عندما اقترب فقد كان مأمون عبد الرحمن وكان من خيار الفلاحين فى عزبة الشيخ عبد العليم ومن زراع أرضه .

وابتدره الشيخ عبد العليم بقوله :
ـ أين الفلوس يا مأمون .. ؟
ـ اتفضل ..
ـ والجنيه .. ؟
ـ أنا زارع فـدان وتلت بس على وابورك يا عبد العليم بيه ..
ـ انت زارع فدان ونص .. والدلال قاس زراعتك .. وكمان اسماعيل أفندى .. كل ميه لازم المناكفة دى .. روح هات الجنيه .
ـ معنديش غير دول يا عبد العليم بيه ..
ـ خذ فلوسك ولما تكملهم هاتهم مع بعض .
ـ أجيب منين ..؟ أبيع أولادى ..؟
ـ روح بعلك كيلتين قمح .. ولا نعجة .. ولا عنزتين .. من دا اللى داير ياكل درة الناس ..
ـ أنا معنديش غير دول دا حقك وزيادة ..
ـ بتقول إيه ..؟
ـ حقك .. يا بيه ..
ـ من الصبح حنحجز على زراعتك وجاموستك ..
ـ انتو حتشترونا وتبعونا بأرضكم ووابوركم .. إيه الذل دا ..
ـ بتقول إيه يا كلب ..

ونهض الشيخ عبد العليم وتناول الرجل بعصاه .. ضربه على وجهه وصدره .. ضربا مبرحا .. وابعدناه عنه .. وعاد الشيخ عبد العليم إلى مجلسه وهو لايزال يزمجر من فرط الغضب .. ويهدد المسكين بطرده من العزبة ..

***

وأخذنا نهدىء من فورة الشيخ عبد العليم ونخفف من غضبه بكل الوسائل .. وكانت الشمس قد تجاوزت السمت واشتدت حرارة يوليو .. وبدت كأن السنة النار تخرج من الأرض ..

وكانت الأرض منبسطة أمامنا وجذور القمح لاتزال بادية فى الأرض البور أما الحقول التى زرعت أذرة فقد كانت مخضرة ولا تزال عيدانها الصغيرة تقاوم الحرارة الشديدة والجفاف ..

وكان النيل قريبا .. ولكنه منخفض جدا والأرض عالية فلم يكن الفلاحون يستفيدون من مياهه فى الزراعة ولكنهم كانوا يشربون منه ويرسلون مواشيهم لتشرب وتستحم فيه .. ولهذا عملوا طريقا صغيرا " مدقا " ينحدر إلى النيل تنزل منه النساء لملء البلاليص .. والمواشى لتستحم ..

وكان حسن ابن الشيخ عبد العليم قد هبط مع غلامين من العزبة إلى النيل من هذا المنحدر وأخذوا يلعبون فى الطين ويبنون منازل على الرمال ..

ولم يكن الشيخ عبد العليم يمنع ابنه من هذه اللعبة لأنها اللعبة الوحيدة التى يلعبها وهو يرافق والده إلى العزبة ..

وكان الشيخ عبد العليم قد فرغ من محاسبة الفلاحين وانصرفوا لحالهم .. ونهض ليصلى الظهر ..

وفجأة سمعنا غلاما يصيح :
ـ الحقوا حسن .. ابن عبد العليم بيه ..

وتصورناه غرق .. فجريت مع والده إلى الشاطىء وخلفنا كل من سمع الخبر من الفلاحين .

وعندما وصلنا إلى رأس المنحدر ونظرنا إلى أسفل .. تسمرت أقدامنا واتسعت أحداقنا من الرعب وخشنا إن قمنا بأى حركة أن تقع الفاجعة فقد كان هناك شىء أرقش ضخم .. قد التف حول نفسه واقترب من الماء ليبترد .. وكان حسن قد التصق بالجدار عند الشق الذى خرج منه الثعبان ومن الذعر الذى أصابه من الصياح ومن الحركة ..

ولم نكن ندرى عندما وقع نظرنا عليه أميت هو أم حى .. فقد كان متخشبا لايطرف .. وكان الثعبان يقطع عليه الطريق فهو لايستطيع النزول إلى الماء أو الصعود إلى الأرض .. ولم يكن فى الماء شىء .. سوى جاموسة ضخمة .. وكانت جاموسة مأمون .. ولم تكن تعير بالها لشىء مما حولها .. كانت باركة فى الماء وعلى خط مستقيم مع الثعبان .. وخشينا أن تتحرك فتدفع الثعبان إلى الحركة .. فتقع المصيبة وأخذنا بالمنظر وصعقنا فقد كان الثعبان أرقش ضخما ولم نر لطوله وضخامته مثيلا .. كان كأنما خرج من الجحيم ..

ولم نكن ندرى كيف نتحايل عليه ونقتله لأن أى حركة تنبهه سيكون معناها .. موت الغلام .. وشعرت كأن سيالا كهربائيا يسرى فى جسمى كله فارتعشت .. وخيل إلىّ .. أن هناك أكثر من ثعبان .. يزحف على الأرض التى تحتى .. ويخرج من الشقوق .. فكنت أرفع رجلى وأخفضها وأنفض قدمى .. وأنا واقف وأتلفت حولى فى ذعر .. وتصورت أحد هذه الثعابين قد التف حول عنقى ..

وفى غمرة هذه التصورات المفزعة ألقى أحد الفلاحين حجرا ضخما على الثعبان .. وكان من المحتمل جدا أن يمضى كل شىء فى سكون لولا هذه الحركة الطائشة .. إذ أن الثعبان كان سيعود إلى جحرة دون أن يؤذى أحدا ولكن بعد الحجر الذى ألقى عليه وأخطأه .. تحرك ورفع صدره ورأسه لينتقم .. واتجه إلى الغلام ..

وصاح الجميع واضطربوا وصاح الشيخ عبد العليم وهو يمد مسدسه بيد مرتعشة ولا تنطلق منه النار :
ـ اضرب .. يا حسان اضرب ..
ـ الرصاصة حتصيب ابنك والجاموسة .. ولا أحد يمكن أن يصيب رأس الثعبان وهو يتحرك هكذا ..
ـ اضرب يا واد اضرب ..

وغشيتنا الغاشية .. ولم نعد نرى وأصبح الغلام بين فكى الثعبان كما صور لنا الذعر والاضطراب .. وفى تلك اللحظة الحاسمة دوت رصاصة خلفنا .. رصاصة واحدة .. وسقط الثعبان والجاموسة معا وتلفتنا إلى مصدر النار .. فرأينا مأمــون .. واقفـا على الجرف وحده .. وبيده بندقيته القصيرة ..

وكنا جميعا نعرف أنه لا أحد غيره يمكن أن يطلق مثل هذه الرصاصة .. ويصوب مثل هذا التصويب .. لا أحد غيره على الاطلاق ..

وعندما ضم الشيخ عبد العليم ابنه إلى صدره وأخرج ثمن الجاموسة لمأمون .. رمى مأمون الأوراق المالية على الأرض باحتقار .. وانطلق فى الطريق وحـده حانيا رأسـه كأنه ما فعل شيئا ..

ولم أر الشيخ عبد العليم محتقرا ذليلا كما رأيته فى تلك الساعـة .
=================================
نشرت القصة فى صحيفة الأهرام المصرية 1611956 واعيد نشرها فى مجموعة الأعرج فى الميناء 1958وفى كتاب قصص من الصعيد من تقديم واعداد على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
=================================





السكاكين

قصة محمود البدوى


ذات ليلة من ليالي الصيف التقيت بشاب وأنا أهبــط من سلم عمارة كبيرة تقع في شارع جانبي ، بحي عبــــد العزيز فهمي بمصر الجديدة .. وكان هذا الشاب يحمــل على ظهره القفص المستعمل في استنان السكاكين .. ويتحرك في الطرقة الداخلية بتؤدة وسكون ..

وكان منظره غريبا ، وهو يحمل القفص ، ويصعد به إلى الدور الخامس في مثل هذه الساعة من الليل . فتوجست منه شرا في الحال . وخمنت إنه صعد ليتلصص ، ويسترق السمع . فإذا تيقن من خلو الشقة من الساكن ، عالج فتحها بطريقته ودخل .. وإذا وجد سيدة بمفردها استغل هذا وكممها بطريقته الشيطانية واستلب ما يحلو له . وكان بالعمــارة عجــوز تعيش وحدهــا في نفـس الدورالذي وجدته فيه .

واقتربت منه وسألته وكان يسير أمامي في الطرقة :
- إلى أين يا أخ..؟
فاستدار بتكاسل وقال :
- طالع لشقة الست قدرية .. ؟
- من هي الست قدرية .. ؟
- ممثلة في السينما.. وهي التي طلبت مني الحضور اليوم ..
- لا توجد في العمارة ممثلات.. ولا توجد ممثلة بهذا الاسم .. ؟
- حضرتك ساكن هنا .. ؟
- لا ..
- كيف عرفت إذن أنه لا توجد ممثلة في العمارة اسمها الست قدرية .. ؟
- لي قريب يسكن هنا .. وأنا أزوره من زمن .. وأعرف كل السكان ..
- حضرتك غلطان .. الست قدرية تقيم هنا في الدور السابع ..
ـ تقيم أو لا تقيم .. كان يجب أن تصطحب معك البواب وأنت طالع عمارة الساعة التاسعة ليلا ..

وواجهني بكل تقاطيع وجهه بعد سماعه هذه الكلمات. ورأيت وجها طويلا، لوحته الشمس في سمرة خفيفة، ويغطي الشعر الأسود عارضيه كشيء محبب لنفسه، وليس عن كسل.. وجبهة عريضة مستوية تطل تحتها عينان باردتان لا بريق فيهما.. وكان أنفه أقنى وشعر رأسه أسود مثل الشعر النابت على ذقنه.. ويرتدي سروالا أخضر وقميصا مخططا مفتوح الأكمام.. وبحركة سريعة أخرج يده من جيبه ، واعتمد بأصابعه الطويلة على عضد القفص قريبا من " الجراب " وراقبت هذه الحركة بعين حذره ..

وقال بصوت هادئ يرد على كلامي :
- معك حق .. ولكني لم أجد البواب .. والست ستؤدي لي خدمة كبيرة ..

وانطفأ نور السلم في هذه اللحظة.. فتحركت سريعا لأضغط على الزر .. وشعرت أثناء فترة الظلام بالرعب . فما الذي يمنعه من استغلال الموقف ، وطعني بسكين .. وينزلق بعدها إلى السلم في هدوء الثعلب ، والقفص يحميه من الشبهة .. وعاد النور .. وألفيته في مكانه ثابتا يترقب ..

فسألته :
- ما الذي ستفعله لك الست قدرية .. ؟
- ستشغلني في السينما .. تعبت من الدوران .. ولا أحد يستن السكاكين الآن .. ذلك زمن مضى ..
كانت كل الدلائل تدل على أنه مخادع ، والقفص خدعة كبرى ، فهو لص محترف .. وخطير .

ورأيت أن أجاريه في الحديث .. وأصعد معه إذا صعد ، وأنزل إذا نزل حتى أسلمه في سكون إلى البواب ..

ومن الغريب أن الفترة التي استغرقها الحديث طالت بيننا ، ولم يخرج من أبواب الشقق ساكن واحد .. ولم تتحرك رجل على السلم .

ووجدته يتخذ طريقة إلى السلم لينزل بدلا من أن يصعد إلى الست قدرية .. فنزلت معه.

ولاحظت أنه سريع الخطو، والقفص الذي على ظهره بعجلته الدوارة لا يعوقانه إلا قليلا .

وفي مدخل العمارة كنت أتوقع وجود البواب على الدكة .. ولكن لم أجده . فساءني ذلك ولكن قلت لنفسي أسير معه حتى شارع عبد العزيز فهمي .. وفي أثناء ذلك قد ألاقي من رجال البوليس من أحكى له قصة تلصصه على الأبواب في الليل وأسلمه له .

ولكن لم يمر أحد .. وبعد ثلاث دقائق من وجودنا في هذا الشارع الطويل الواسع المتلألئ بالأنوار القوية .. انقطع النور فجأة . وخيم ظلام في سواد الفحم على الحي كله .. وأصبحت المنازل البيضاء شهباء ، وفي لون الرصاص .

ووجدته يتجه إلى دكة حجرية ظهرت له على نور السيارات فاتجهت معه ، وجلسنا متجاورين .. بعد أن خلع القفص ووضعه بجانبه .

وأوجد الظلام الرعب ، والهواجس التي تدور في الرأس .. وتذهب وتختفي لتأتي بشيء جديد أشد رعبا..

وكنت أتوقع ألا يستمر انقطاع النور أكثر من دقائق قليلة ، ولكنه استمر ساعة وثقل وقعه على نفسينا ..

وكان القمر في المحاق ، والليلة كئيبة خافتة ، ساكنة الهواء ثقيلة ، وحركت يدي في جيبي فشعر بها ، وظل يلاحظني بترقب شديد . ولكنه لم يوجه إلىّ كلاما .. ظل صامتا وأطرق ..

ثم رفع رأسه ليقطع الصمت وسألني:
- ما الذي تبحث عنه .. ؟
- كنت أتأكد من وجود السلاح في جيبي .. !
- السلاح ! ؟ ولماذا .. الدنيا أمان .. ؟
- ولكن الظلام يولد الشياطين .. ويخرجهم من باطن الأرض .. وأنت لا تعدم أفاقا .. يقطع عليك الطريق ..
ـ ولمــاذا تخــرج في الليــل إذا كنت تخـاف من الشياطين .. ؟
- إن عملي يقتضي مني ذلك ..

وسألني بصوت خافت ، وهو يحرك جانب وجهه :
- وهل استعملت هذا السلاح .. ؟
- كثيرا .. كلما أحسست بالخطر ..
- إذن فنحن في أمان .. إذا طال هذا الظلام ..

ثم رفع رأسه واستطرد بصوت مألوف :
- ولكن سأضطر إلى الذهاب إلى بيتي إذا لم يعد النور بعد نصف ساعة ..
- أين تسكن .. ؟
- في الزيتون ..
- تدهمك السيارات المسرعة .. انظر إليها ، إنها تسرع في الظلام في جنون .

ولاحظت أنه لا صلة لنا بهذه السيارات .. ولا بالذين يقودونها فمهما يحدث لنا .. هم في شاغل تام عنه .. فلو تحرك وقتلني أو قتلته ما شعر أحد منهم بما حدث .. هناك انفصال تام بيننا وبين ما يحيط بنا .. لقد تقطعت بنا في هذا المكان الأسباب .

***

وكنت أود أن أتحرك به بعد أن يعود النور، إلى قسم مصر
الجديدة ، آخذة بالحيلة إلى قرب القسم وهناك أدعه للبوليس .. فإذا تركوه أو حجزوه فهذا ليس من شأني .. ولكن وجوده في داخل العمارة على هذه الصورة هو الذي رابني ، وبعث الشك في نفسي .. وأحسست به كأنه أغفى وهو جالس فقلت بصوت عال :
- هل معك سكاكين .. في هذا الجراب .. ؟

واستراح لهذا الســـؤال فقــد أدرك مـا في نفسي من خوف ..
- معي سكاكين كثيرة من كل الأنواع .. السكاكين التي تذبح الفراريج والتي تذبح الخرفان .. والتي تذبح الجاموس والعجول .. والتي تذبح الناس .. !
- الناس .. يارب الطف ..
- أجل مثل هذا السكين ..

وأخرج سكينا بنصل ملتو .. تلمع في الظلام .. !

وكان وجهه قد احتقن ، ولمعت عيناه ، بعد طول انطفاء لمعت في الظلمة ببريق غريب .

لا شك أنه يخيفني كما أخفته .. ولولا القفص الذي معه والذي يحمـله على ظهره .. لجـرى واختـفى في خطـف البرق ..

***
كانت السيارات تأتي في قافلة.. وتختفي في مثلها.. وكأنها تسابق الريح .. أو تخاف مثلنا من الظلام ..

وبعد أنوارها الساطعة المتداخلة.. يخيم سكون مطبق تسمع معه ضربات القلوب ..

وتذكرت وأنا جالس قصة " لتشيكوف " عن مسافر وحيد اضطرته الظروف .. أن يقطع في الليل والظلام مئات الأميال في قلب غابة ساكنة موحشة بعربة يقودها حوذي منخلع القلب .. وظل الاثنان في رعب وتوجس بعضهما من بعض إلى نهاية الغابة .. رعب الرعب ..

تذكرت هذه القصة .. عندما أوجدتني الظروف مع هذا الذي يستن السكاكين في مثل هذه الساعة من الليل حيث الظلام والتفرد .

ولم يخرج من البيوت المحيطة بنا ساكن .. كما لم نسمع صوت إنسان .

وكان ما يدور في رأسه ، مثل الذي يدور في رأسي .. فقد خيم ظلام الشك واستفحل .

وكانت أية حركة منه سأعاجلها بمثلها من جانبي دون تقدير للعواقب .

والإنسان عندما ينخلع قلبه يتحول إلى وحش .. وإلى مجنون .. وقدرت فارق السن الكبير بيننا .. وعملت حسابه .. ولكني لن أترك له فرصة للتلاحم بالأيدي قط .. سأعاجله عندما أشتم منه أقل حركة عدوانية .. ولن أجعله يصيبني وأترك في هذا المكان للتخلف والفوضى وسوء الإدارة في إسعافنا ومستشفياتنا ..

والظلام لا يخيفني ولكن يخيفني الذي يتحرك فيه .. وتذكرت أنني نمت وحدي وأنا في مرحلة الدراسة الابتدائية ، في بيت من ثلاثة أدوار .. واستمر ذلك عشرة أيام متصلة . إلى أن رجع زملاء الدراسة من إجازتهم التي قضوها في الريف .. ولم أشعر بالخوف قط في تلك الأيام .. فما الذي يرعبني الآن ويخيفني ؟ لم أكن وأنا صغير أشعر بالخوف ، ولم أفكر فيه ولم يشتعل به رأسي .. أما الآن فأنا أفكر فيه وقد شغل كل حواسي .. لقد خرج إلىّ هذا الرجل من السلم كما يخرج الشيطان .. ومن وقتها وأنا أتوجس منه.

***

ومرت عربة بوليس مسرعة .. وكنت أود أن أصيح وأستوقفها ولكني أدركت بعد تأمل أن في هذا العمل حماقة .. فالرجل لم يرتكب جرما أمامى ، ولم يفعل ما يؤاخذ عليه .. مافي رأسي مجرد شك .. وليس هناك أي دليل ضده يجعله مدانا..

ورأى العربة وهي تمرق كما رأيتها ولعله قرأ خواطري فشحب وجهه ..

وسألته :
- هل تخاف منهم .. ؟
- كل بائع جوال يخافهم .. إنهم يطاردونني في كل مكان .. وقد اشتغلت في كل الحرف بسببهم .. وليس معي بطاقة .. وإذا دخلت القسم فلن أخرج منه.. وسيجعلونني أنظفه وأمسح أرضه .. ما دمت في الحجز إنهم يثيرون غضبك الأسود ..

وانتفض وهو جالس . وأصبح حاله يخيفني ، وتذكرت كل قصص الرعب ، وكل ما أفزعني في الحياة .. ولم أجد لهذه الحالة نظيرا .. فأي أقــدار رمته إلىّ في هذا الليل الأسود .

***

وتذكـرت أنني وضـــعت في جيبي علبــتين مـن الســــجاير " جرافن " اشتريتهما الليلة من فوق كوبري رمسيس .. وقد أغراني البائع على الشراء لأن ثمن العلبة أربعون قرشا

فأخرجت علبة وسألته :
- أتدخن .. ؟
- نعم .. منذ الصغر ..

وقدمت له العلبة .. فسر كثيرا وأخذ يردد :
- تكفي سيجارة .. ومستورد .. أيضا ..
وأشعل السيجارة فسكنت نفسه .. وسألته :
- أهذه آخر حرفة لك .. ؟
- أجل .. ومنذ سنتين .. وأنا أستن السكاكين .
- والست قدرية .. ستشغلك بأجر طيب .. ؟
- كومبارس .. بثلاثة جنيهات وأربعة في اليوم ..
ولا يزال الظلام يلفنا وهو يدخن .

وقلت له :
ـ إن حرفتك مسلية .. ومعظم زبائنك من النساء .. فلماذا السينما التي تشتغل فيها يوما وتتعطل عشرة .. ؟

وأخذ الحديث الذي دار بيننا يسحب ظلال الشك ..
وعادت الثقة بين إنسان وإنسان .. وتفتحت نفسه فقال :
- كلامك صحيح.. ولكني تعبت من الدوران .. ومرة كنت سأنزلق وأطاوع الشيطان وأرتكب جريمة .. ولكن الله نجانى من كل شر ..

وسألته بشوق :
- كيف .. ؟
- ذات مرة .. في حوالي الضحى .. وكنت جائعا وتعبا وليس في جيبي قرش واحد .. صحت بصوتي كعادتي في الشارع فأطلت علي سيدة من الدور الثالث في هذا الحي الذي أتردد عليه .. وقالت :
- اطلع ..

فطلعت .. وكان بابها مفتوحا .. فوقفت خارجة .. وخرجت تحمل ثلاث سكاكين لأستنها ..

ولاحظت أنها تظلع وليس بها من عرج ، ولكن شيئا أشبه بالشلل في رجلها اليسرى .. فتألمت جدا لحالها .. ولكنها عندما اقتربت لتسلمني السكاكين ، وجدت في عنقها قرطا مرصعا بالجواهر لا يقل ثمنه عن ألف من الجنيهات .. ولم أسمع حسا في الداخل .. وتأكدت أنها في هذه اللحظة وحيدة .. فقال لي هاجس الشيطان انك بحركة سريعة ، ودون أذية لها تستطيع أن تنزع منها القرط دون أن يحس إنسان .. أكممها أولا وأوثق يديها من خلفها ، وأربطها في ثوان بهذا الحبل في الداخل .. ثم أهبط السلم سريعا .

والإنسان فى هذه الساعة الجنونية يفكر بروح البطل ! ولا تدور في رأسه العواقب قط .. يختل عقله تماما ويتعطل .. وأنا في خواطري هذه سمعت الست تسألني وهي تحدق في وجهي ..
ـ أنت تعبان .. ؟
- في الحق دايخ شوية .. يا ست ..
- لازم جعان .. لم تفطر .. سأجيء لك بلقمة ..

ودخلت سريعا إلى المطبخ وعادت بجبن ولبن وبيض .. تصور ! ! ومثل هؤلاء النسوة كثيرات في البيوت .. ويمر على بابهن مثلي .. وغيرهن بخيلات ودميمات ومن شر أنواع النساء في الأرض .

بعد أن شبعت ارتد إلىّ عقلي الذاهب ..
وقالت لي :
- تسمح تعملي خدمة .. النهاردة آخر يوم في الشهر .. والشغالة التي تنظف لي البيت ، وتقضى حاجاتي لم تحضر
فهل في إمكانك أن تجيء بالتموين من البقال .. وذكرت لي اسم البقال .
- حاضر .. يا ستي ..
وأعطتني البطاقة وخمسة جنيهات ..

وقد جعلتني هذه الثقة أخجل من نفسي .. ولما عدت وجدتها تمسح المطبخ .. فقلت لها وأنا أدمع بعيني :
- عنك .. يا ستي ..

وأخذت أمسح المطبخ وخارج بابها .. كل الفسحة .. وسمعتها تقول :
- عشت ..
أنا عشت .. ! ! إني ميت منذ ولدت .. وتقول لي هذه الست التي في جمال الملائكة .. عشت .. أخذت كالمجنون .. أمسح وأغسل الحوائط والأرض والجدران .. والنوافذ .. أنا أسمع عشت في حياتي من أجمل نساء الأرض .. أنا البائع الجوال المطارد من البوليس .. والشريد الطريد في كل مكان .. عشت .. أردت أن أقبل قدميها قبل أن أنزل ولكني خجلت أن تلوث شفتاي جسمها .. وناولتني جنيها ونزلت .. وقد شعرت أن حياتي الضائعة ردت إلىّ .. لقد أخرجت من ظهري كل السكاكين التي انغرست في لحمى ..

وكانت كلما سمعت صوتي في الشارع تناديني لأستن لها سكينا أو أصلح شيئا .. وتعطيني أضعاف أضعاف ما أستحق .. ثم لم أعد أراها ولعلها ذهبت إلى مستشفى .. وخجلت أن أسأل عنها ..

وأنا أتردد على هذا الحي منذ سنة ، وبعض السّتات يقدمن لي المال شفقة بي ، دون عمل يذكر من جانبي لأن صنعتي مضى زمنها .. وقلت لنفسي إن هذا أشبه بالتسول ولا أرضاه .. ولما قالت لي الست قدرية أنها ستجد لي عملا في السينما سررت كثيرا ، وسأعود لأسأل عنها غدا .. إنها لا توجد في بيتها إلا في الليل ..

وعاد النور إلى الشارع فنهض ليلبس القفص وقبل أن يتحرك أعطيته علبة السجائر الأخرى التى معى .

وحياني وذهب يطويه الليل وفي نفسه كما في نفسي كل الهواجس التي دارت في نفسينا والتي اشتدت أثناء الظلام ولكن بددها النور تماما .
***

ومشيت متمهلا فى الشارع الطويل .. ولما عرجت إلى شارع جانبي .. كان نوره خفيفا فاستراحت له نفسي ..
وعلى رصيف الشارع رأيت سيدة تتحرك أمامى بتمهل ، تسير قليلا ثم تتوقف ، ولا أدرى أنزلت من المترو .. أم من عربة أجرة .. أو خرجت من دار العلاج فى نفس الحي .

ولما اقتربت منها أدركت حالها .. نفس حالة المرأة التى وصفها لى الذى يستن السكاكين .. الشلل الخفيف فى الرجل اليسرى . ولم أكن أدرى أهى هى .. أم هذه سيدة أخرى شبيهة بها .. أصبحت بجوارها .. ونظرت إلىّ ونظرت إليها .. كانت تسير خطوات وتتوقف برهة .. فمددت يدى ..

فقالت برقة :
ـ إن هذا يعوقنى عن السير أكثر .. يكفى أن تكون بجـانبى ..

وسرت بجوارها كانت جميلة رشيقة القوام وفى رونق شبابها وفى رواء فى لون العناب .. ومن عينيها يطل الإيناس والسحر ..

***
وفى بيتها دخلت معها حتى أركبتها المصعد .. ولم تذهب صورتها من مخيلتى أبدا ..
=================================


نشرت القصة بصحيفة مايو المصرية ـ العدد رقم 13 فى 25/5/1981 وأعيد نشرها بالمجموعة التى تحمل نفس الاسم لمحمود البدوى عام1983
==========================







القرية الآمنـة

قصة محمود البدوى


قال رسـول الله ـ عليــه الصـلاة والسـلام ـ فى عمـر بن الخطــاب .. " لم أر عبقريا يفرى فرية " .. ولم نر بطل قصة مثل عبد المنعم أفندى الذى تدور حوله حوادث القصة ..

أرسله والده بعد البكالوريا إلى فرنسا ليدرس الطب ، وعاد من مونبلييه فى السنة الثانية من دراسته لنشوب الحرب العالمية الأولى ولوفاة والده لأنه وحيد أبويه من الذكور .. وقد ترك له أبوه أخوات شقيقات لم يتزوجن بعد وأعباء العمل فى الريف ..

وقد عاد ليرعى الشقيقات أكثر من عودته لأرض والده ، وكان أبوه عمدة وجده عمدة ..

فلما عرضوا عليه العمدية لم يتحمس لها أولا ، ثم خشى على حال الفلاحين فى قريته من الأسماء التى كانت معروضة .. خشى أن يجىء من يسومهم بجهله وسطوته العذاب ، فقبلها كرسالة يبلغ بها ما يريد لمن فى رعايته ، فقد وضع فى عنقه طوقا لايشعر به الكثير من الناس .

وكان الإنجليز يحكمون البلاد بغطرستهم ويسيطرون سيطرة كاملة على البوليس ـ ولهم طريقتهم فى القمع لمن يقف فى طريقهم ـ ومع أنهم لم يصلوا بسطوتهم إلى الصعيد وإلى ريفه على الأخص ، لأن الريف بعيد عن المظاهرات والاجتماعات ..

مع هذا .. فإن أول شىء فعله عبد المنعم أفندى وهو عمدة .. ألا يعرض أحـدا من أهـل بلده إلى هوان أو عدوان فى مركز أو مديرية .

وكانت قريته تقع على النيل مباشرة فى الخط الشرقى بعيدا عن شريط السكة الحديد .. ووراءها وبجانبها قرى كثيرة .. يصعد بعضها إلى الجبل الشرقى ..

وتكثر فى هذه القرى حوادث القتل والسلب والنهب والسطو على العزب وسرقة المواشى .. فى النهار والليل ، فأصبحت قريته وسط كل هذه القرى .. يصيبها من رشاشها وبلواها الكثير .. ولكنه وقف بحزم وصرامة ليبعدها عن مساوىء هذا الجوار .. ولتظل القرية آمنة .

وكان يعرف أن حوادث السرقة تحدث فى الليل للمواشى وهى عائدة من الحقول ، أو عندما تكون مربوطة فى الزرائب .. والذى يعود بالمواشى عادة هم الغلمان وفى أيديهم العصى ويوضع فى أيديهم السلاح ، وأرسل من الخفراء من يحرسهم على الجسور .. وعمل للزرائب دوريات وكان هو على رأسها ..

وكان للقرية سوق فى يوم السبت .. ومن الساعة السابعة صباحا يكون هو فى السوق .. ويكفى أن تهل طلعته لتستقر الأمـور ..

وكان يجعل التجار الأغراب الذين يبيعون القماش ولوازم الفلاحين .. يطوون بضاعتـهم ويرجعون إلى بلادهم قبل ظلمة الليل .

وأنار القرية كلها بالفوانيس .. الفوانيس مقامة على رأس الدروب ووسطها .. وجعل الفلاح القادر يدفع لغير القادر .. فى تكاليف هذه الانارة وصيانتها ..

كما خصص لكل ضرب من يعنى بنظافته من روث البهائم العائدة من الحقل .. ومن التراب والهباب .. فبدت القرية متألقة نظيفة كأنها من قرى فرنسا ..

وعندما يعلو النيل فى زمن الفيضان .. تكون شهور الأمان فى كل القرى .. لأن النيل يغمر الحقول والحياض بزبده الأسود وتمتلىء الحياض ويصبح السير على الجسور فقط .. فيتحدد خط السير بالنسبة للصوص ، ولذلك يتوقف نشاطهم فى هذا الفصل من السنة .. يتوقف كلية .

ومع هذا فإن عبد المنعم أفندى كان يخرج بجواده ومعه شيخ الخفراء وبعض الخفراء على الحمير .. ويمرون بكل العزب المجاورة .. ويقطعون الجسر بكل طوله ودورانه .

وكانت له هيئة على الجواد كفارس .. حتى انك تعجب كيف سيكون هذا طبيبا لو أتم دراسته .. مع أنه لايحمل شيئا من طباع الطبيب ولا خصائصه .. وإنما خلق ليكون فارسا بكل طبـاع الفارس .

***

وكان العمد فى القرى المجاورة يحسدونه على حزمه وسطوته .. وطريقته فى معالجته الأمور .. ويقولون أنه يستعين بقطاع الطرق ورجال الليل فى إعادة المسروقات ..

ولكن ببصيرته وحدة ذكائه وخبرته كريفى .. كان يصل إلى أشياء كثيرة يجهلها الناس .. فسارق الجاموسة التى يجرها غلام .. لا يسطو على عزبة !.. وقاطع الطريق لتاجر القمـاش العـائد من السوق على حمـار .. لايسـطو على خزانة ..!

ولذلك كان يتوصل سريعا إلى معرفة المصدر ..

***

وزاره الشيخ عبد اللطيف ودعاه إلى فرح ابنه .. فسر العمدة وبارك الابن ..

وقال الشيخ عبد اللطيف كالمتردد لأنه يعرف طباع العمدة ..
ـ وتسمح يا حضرة العمدة .. سنجىء بغازية ..؟
فردد العمدة :
ـ غازية ..!!

واضطرب الشيخ عبد اللطيف .. لرنة الاستنكار التى لاحظها فى صوت العمدة ..

ـ أيوه .. يا عمدة ..

ولانت ملامح العمدة وتطلع إليه مبتسما .. وسأله :
ـ ياشيخ عبد اللطيف .. ولكن أرجوك أن تنومها بعد الفرح .. فى بيتك .. ولكن ليس فى سريرك ..!!

وضحكوا ..

ـ ستنام يا عمدة .. عند جليلة ..
ـ أحسنت الاختيار .. فجليلة بيتها نظيف وزوجها مسافر .. ولماذا البيات وخليها ترجع البندر فى نفس الليلة ..
ـ الغازية .. ستمكث هنا اسبوعا .. يا حضرة العمدة ..
ـ أسبوع ؟! .. ولماذا كل هذه المصاريف ..؟
ـ طلب الحريم .. يا عمدة .. والابن وحيد ..
ـ ربنا يبارك ويجعله فرح القرية كلها ..

***

وقبل منتصف الليل .. وفى أول ليلة من ليالى الفرح أطل العمدة على المكان فوقف الحاضرون جميعا وخيم الصمت .. ثم أخذ العمدة يصافح الموجودين من أهل القرية وبارك أهل العروسين ..

وقالت الغازية .. عندما رأته .. للشيخ عبد اللطيف ..
ـ من هذا الذى وقف له الناس جميعا ..؟
ـ إنه العمدة ..
ـ سأرقص أمامه ..؟

فرد الشيخ عبد اللطيف ..
ـ حاذرى .. سيدبحك ..

ولكنها مشت متهادية بكبرياء تحرك صاجاتها وتهز وسطها لترقص أمامه .. ترقص له وحده ..

ووقفت أمامه فعلا .. وعندما أصبحت على بعد خطوة منه .. شعرت بهيبته .. فتخشبت ولم تبد .. حركة واحدة ولا رنة صاج .. وزاغت عيناها .. واضطربت .. وظلت فى مكانها جامدة كالتمثال .. وخيم الوجوم على السامر ..

ثم سمعت من يصيح بها .. ويصفق لينقذ الموقف وأمسك بيدها الشيخ عبد اللطيف .. وحركها إلى صف شباب القرية .. ورقصت أمام عدلى أصغر أبناء العمدة طويلا لتخفى خجلها مما حل بها .. وداعبها عدلى بالحديث ونقطها ليسرى عنها ..

***

ودخل العمدة بيته على غير عادته يصلى العصر .. وكان يصليه تحت فى الدوار .. فوجد صالة البيت ممتلئة بالفلاحات .. وأصابهن بمرآه ما يشبه الذعر .. فاضطر أن يعود من حيث أتى ويصلى تحت .. وفى الليل قال لزوجته وظل ابتسامة مع نبرات صوته :

ـ أليس هـذا العيب وأنت المتـعلمة أن تؤمنى بالخرافــــات ..؟
ـ أية خرافات ..؟!
ـ رأيت فلاحة تتخطى عقدا من الخرز .. لتحمل ..! وكل هؤلاء جئن للحمل ..!!
ـ أجل ..

وضحكت .. زوجته بعزوبة ..
ـ أعرف أنها خرافة .. ولكن إيمانهن بهذه الأشياء يجعلها أكثر نفعا لهن من كل أدوية الطب .. إنهن يسترحن نفسيا بعد تخطى هذه التعويذة .. ولا شىء فى هذه التعويذة على الاطلاق ينفع الحمل .. وهن يأتين إلى هنا .. بعد أن فقدن الخير من الطب كما يذهب الناس إلى أضرحة الأولياء بعد أن يفقدوا الخير من القائمين عليهم ..

واستطردت بابتسامة .. وفى صوتها حماسة ..
ـ شكوى من مظلوم ومضطهد ومعذب لصاحب الضريح .. بعد فقد الثقة فى كل الناس .. ولو كنتم تنفعون الناس ولمسوا منكم صلاحية مالجأوا للأضرحة قط .

ـ ولكنا ننفعهم أو بعضنا ينفعهم على الأقل .. لاتجعلينى أشعر بالمرارة ..!

ـ لا أتكلم عنك .. وسيرتك على كل لسان .. ووجود هؤلاء النسوة فى بيتك هو انتصار لك ..

ـ ولكن من أعطاك هذه التعويذة .
ـ جدتى .. رحمها الله ..!
وضحك ..

***

وذات ليلة سمع الخفير فى الدرك صرخة .. وعلى أثرها أقدام شخص يعدو فى الدرب بسرعة وجرى الخفير وراءه .. وكانت المسافة بينهما طويلة .. وخشى الخفير ألا يلحقه ويمسك به .. لأن من يلاحقه كان أسرع منه جريا .. وخشى من كان يجرى أن يلحقه الخفير والدرب مضاء بالفوانيس فأطلق طلقة على أول فانوس صادفه فأطفأه .. وخيمت الظلمة .. وساعدته هذه على الجرى أكثر .. حتى خرج من الدرب والقرية إلى الفضاء الواسع .. وأصبح لايسمع أقدام الخفير وراءه ولاحسه ..

وأول شىء صادفه فى الظلمة الطاغية .. بعد أن خرج من القرية وهو يعدو .. مبتعدا عن الجسر .. بياض أجران القمح .. وتذكر الشيخ عبد المطلب حارس الأجران .. فشعر قلبه بالاطمئنان والأمان .. فأسرع إليه ودخل عريشه ..

وكان الرجل الطيب قد سمع الطلقة التى لم يسمع مثلها منذ سنوات .. ورأى الرجفة فى وجه الشاب .. فلم يسأله لحنكته عن شىء وأخذ يرحب به ثم فرش له لينام .

وكان العمدة قد سمع الطلقة التى لم يسمع مثلها منذ سنوات .. ورأى الرجفة فى وجه الشاب .. فلم يسأله لحنكته عن شىء وأخذ يرحب به ثم فرش له لينام .

وكان العمدة قد سمع الطلقة فى أثناء جولته المعتادة بخفرائه ورأى الشبح وهو يجرى ويدخل الأجران .. وعلم أن الطلقة انطلقت فى الدرب وأطفأت الفانوس .. وأن خفير الدرك لم يستطع أن يلحق بمن أطلق النار .. بسبب موقعه من الدرب فى ذلك الوقت .. فقد كان فى جنوبه عندما انطلقت الطلقة فى شماله .. وأنه فى تحركه أمام أبواب الدرب سمع صرخة خرجت من فم امرأة مذعورة ..

فجرى نحو مصدر الصوت .. وقرع ثلاثة أبواب فى الدرب متلاصقة .. حددها كمصدر للصوت .. ولكن واحدة من الثلاث لم تحدثه بأنها صرخت .. وعندما جاء شيخ الخفراء كان نفس الرد ..

وكان هذا الانكار متوقعا من النسوة الثلاث .. فلم يلح عليهن شيخ الخفراء .. ما دام الصراخ اقترن برجل دخل البيت فى عتمة الليل وسكونه .. ولم يكن هذا الرجل لصا .. لأنه ليـس فى هذه البيوت الثلاثة ما يغرى اللص على السرقة ..

ووقف العمدة بجواده على الجسر .. يرقب الشبح وهو يدخل بين صفوف الأجران المتراصة .. فأطلق طلقة فى الهواء .. وسمع صوت الشيخ عبد المطلب .. يثنيه عن المضى فى الضرب فكف .. ونزل من فوق الجسر واتجه إلى الأجران ..

ووجد العمدة الشيخ عبد المطلب جالسا على جرن مدروس .. بعيدا عن العريشة فترجل عن جواده وسلم عليه وصرف الخفير بالجواد فقد انتهت جولة الليل .. وشد الخفير الجواد والحمار وانطلق إلى الحوش ..

وقال الشيخ عبد المطلب :
ـ مرحبا .. يا عمدة ..
ـ مرحبا .. يا شيخ عبد المطلب .. لقد عرفت صوتك .. وأقلعت بعدها عن الضرب ..

ـ الحمـد لله .. فعلــت الخير .. فمن كان يجرى لم يكن لصا ..!!

ـ من يكـون الذى يجــرى فى ظلمـة الليل .. إن لم يكن هذا ..؟

ـ يكون يجرى من الكلاب .. او من الخوف .. الليل رهيب ياعمدة فى الريف .. ولهذا تخرج أنت وتقوم بدورتك الليلية لتشيع الأمان فى قلوب الناس .. وتطرد عنهم شبح الخوف .. الخوف رهيب يا عمدة ..

ـ ولماذا أطلق النار ..؟
ـ النار أطلقها على فانوس ..! لأول مرة يشعر الإنسان بأن الظلمة .. أحسن من النور .. ولماذا خلق الله الظلمة ..
ـ وأين هو يا شيخ عبد المطلب ..؟
ـ إنه عندى ..
ـ أريده وجئت لآخذه ..
ـ فى الصباح .. سآتى به .. وأسلمه بيدى ..
ـ ولكن جئت لآخذه الآن ..

ـ لقد احتمى بى يا حضرة العمدة .. وأنت تعرف طباع الفلاحين فى مثل هذه الحالة ..
ـ وأنت تعرف طباعى يا شيخ عبد المطلب .. ولم يحدث قط أن أفلت مذنب أبدا من قبضة يدى ..

ـ إنه غير مذنب .. فلا هو لص .. ولا سارق .. ولا قاتل .. ولا رجل ليل .. ليس من هذا الصنف من الناس إطلاقا .. ليس من هـؤلاء إطلاقـا .. وحتى لو كـان من هؤلاء واحتمى بى فأنا لا أسلمه ..

خرجت من فم الشيخ عبد المطلب هذه الكلمات الأخيرة كالقذيفة .. وتغير لونه ..

وظهر الغضب على وجه العمدة .. فلأول مرة فى حياته يسمع مثل هذا التحدى الصارخ .. ولأول مرة يعجز عن تنفيث غضبه أمـام وجه الشيخ المضاء بنور التقوى .. وأمام شيخوخته المتهالكة ..

وأدرك الشيخ عبد المطلب عجز العمدة عن تنفيث غضبه .. وأنه أخطأ فى التعبير .. وشعر بالأسى يحز فى نفسه .. وأخضلت عيناه بالدموع ..

وقال العمدة يسرى عن الشيخ عبد المطلب ويلاطفه :

ـ الطلقة يا شيخ عبد المطلب زلزلت كيان نفسى الساكنة .. ولابد أن أعرف مصدرها وسببها لأستريح ..
ـ ستعرف وتستريح .. فاطمئن ..

ونهض العمدة وسلم على الشيخ عبد المطلب .. ولأول مرة يدخل بيته كاسف البال حزينا .. ولاحظت زوجته ذلك .. ولكنها لم توجه إليه أى سؤال ..

وأدركت بفطنتها أن الطلقة النارية التى سمعتها هذه الليــلة أطفأت النـور والأمان اللذين كانا يضيئان سماء القرية .

***

وقبل نور الفجر .. تسلل عدلى أصغر أبناء العمدة من عريشة الشيخ عبد المطلب وهرب من القرية .

ولما علم الشيخ عبد المطلب بأن عدلى خرج من العريشة فى فحمة الليل وهرب .. شعر بالأسى الشديد والألم .. لأنه لم يستطع أن يوفى بوعده للعمدة .. ويسحب عدلى من يده ويسلمه لوالده ولكن الابن خذله وضيع كل ما دار فى رأسه من خواطر ..

لقد كان يود من تأخير اللقاء بين الولد وأبيه إلى الصباح .. أن تهدأ ثورة الغضب فى الوالد بعد الطلقة وظرف الساعة .. وأن يجلوها الصباح .. ويحق له فى هذه الساعة أن يسترحم ويرجو الصفح ..

ولكن عدلى خذله وهرب .. وجعله يقف هذا الموقف الشائن لأول مرة فى حياته .. ولا يدرى الآن كيف يواجه العمدة أو يواجهه العمدة .. فرش الحصير أمام العريشة بعد أن توضأ وصلى ..

***

وفى الصباح علم العمدة .. بأن الذى كان مختبئا فى عريشة الشيخ عبد المطلب هو ابنه عدلى .. وأنه غافل الشيخ عبد المطلب فى سحرة الليل وهرب ..

وأرسل العمدة وراءه من يبحث عنه فى كل القرى والعزب المجـاورة .. ولكن عـدلى ترك المنطـقة كلها وسـافر إلى جهة بعيدة ..

وظل عدلى هاربا .. وخيم الوجوم على بيت العمدة .. وكانت والدته أشد الناس حزنا .. وحل بها المرض والصمت الأخرس .. كانت تود أن تلوم زوجها ولكنها لم تستطع .

وأرسل العمدة ابنه توفيق ليبحث عن عدلى فى القاهرة عند كل الأهل والصحاب ومن يعرف أنه يتردد عليهم .. وعاد توفيق بعد ثلاثة أسابيع دون أن يقف له على أثر .

وضاعف ذلك من هول الموقف .

***

وكان عدلى قد كشف سره كله وحكى للشيخ عبد المطلب كل مـا حـدث فى هذه الليلة .. ولماذا أطلق النار على الفانوس ..

كان قد واعد " الغازية " وهى ترقص فى اليوم الرابع من الفرح .. على زيارتها فى الليل فى بيت جليلة حيث تنام كل ليلة .. ولم يدخل البيت من الباب .. وإنما قفز اليه من شونة تبن .. وشونة التبن أوصلته إلى بيت الدلالة بدلا من بيت جليلة التى تقيم عندها الغازية ..

وجاءت الصرخة من الدلالة .. فتراجع عدلى سريعا خوفا من الفضيحة وأصبح فى الدرب .. ولما شعر بالخفير وراءه أطلق النار على الفانوس .. وجرى كل ما جرى بعد ذلك .. بالصورة التى أرادها القدر .. فالبيوت الثلاثة المتلاصقة والمتشابهة فى أسطحها وبنيانها عصمته من الزلل ولكنها أوقعته فى حيرة ولقنته درسا لن ينساه .

وطمأنه الشيخ عبد المطلب وسرى عنه .

وكتم الشيخ عبد المطلب السر الذى حدثه به عدلى ..
ولما شاع الخبر فى القرية على وجوه كثيرة ، نفاه كلية .. وقال لهم إن عدلى سافر فجأة لأنه سرق مبلغا كبيرا من خزانة أبيه .. ومع ذلك ظلت الأقاويل تدور .. ثم أنستهم الأيام بضجيجها وطحنـها بعض أو كل ما حـدث فى هذه الليلة .

***

وذات ليلة خرج العمدة فى جولته الليلية المعتادة ومعه خفير واحد .. وأبعد هذه الليلة حتى خرج عن نطاق القرية وحدودها إلى حدود القرى المجاورة .. وكان الليل صحوا لاتلبده الغيوم .. ولكن ريح الشتاء عاصفة ..

وفجأة دوت طلقات نارية شديدة .. اختلطت مع أزيم الريح وأصبحت كعواء الغيلان .. وتنبه الجميع للصوت الجديد الذى لم يألفوه فى حياتهم ولا عهد لهم به .. واستيقظ من كان نائما .. وتحرك من كان جالسا .. ومشى من كان واقفا .. وجاء الخبر أسرع من البرق ..

ـ عبد المنعم أفندى قتل ..
ـ كيف ..؟!
ـ دخل فى معركة رهيبة مع اللصوص فى باطن وادى الجرف .. وقتلوه ..

وتحركت الجموع على الجسر من أهل القرية ومن أهالى كل القرى المجاورة كانوا يسمعون به ويحبونه جميعا لعدله ونظامه ورحمته بالضعفاء وشدة بطشه بالأقوياء .. ويعتبرونه عمدتهم الحقيقى .. وكم ذهبوا إليه للحكم والمشورة .. والنصيحة .. وما خالفوه أبدا فى كل ما حكم وقرر .. وكم كان حكمه صائبا .. ورأيه عظيما .. كم كان ذلك .. ولهذا أحبوه وخرجوا الآن لملاقاته حيا أو ميتا ..

سدت الجموع المتحركة الجسر وتحت الجسر .. وثار التراب والغبار وأصبحت الرؤية مع ظلمة الليل .. ضعيفة ولكن الجموع ظلت تتحرك فى إصرار ..

وبرز من تحت الجسر .. الحصان الأشهب ، حصان عبد المنعم أفندى وعليه فارسه .. كان متلفعا من الريح والغبار .. ولكن عينيه كانتا تبرقان فى الظلمة بوهج شديد .. وهج الانتصار ..

وكان الخفير وراءه يربط ثلاثة فى رسن الحمار .. ثلاثة من اللصوص .. جرح منهم اثنان .. واستسلم الثالث بكامل قوته وسلاحه .

وكان قطيع الماشية المسروقة وكله من خيار البقر .. قد دفعه فارس الجواد ناحية .. حتى يستوى على الطريق السهل الموصل للقرية .. وفى الساحة الواسعة وأمام دوار العمدة ، سيأتى أصحاب هذا القطيع وكلهم من القرى المجاورة لاستلام بقرهم وثيرانهم .. لايوجد فى هذا القطيع بقرة واحدة من قريته .. وكم شعر بالفرح لهذا ..

هللت الجموع على الجسر وصفقت وأطلقت الأعيره النارية ابتهاجا بعودة العمدة وانتصاره .

***

وفى الخريف .. عندما يتساقط ورق الشجر فى القرية .. وتسكن الريح .. سمع أهل القرية جواد عبد المنعم أفندى وهو يصهل .. صهل ثلاث مرات .. فى نغم واحد .. وكان بعد كل صهيل يحرك رأسه ..

وتنبه الناس لصهيل الجواد .. كان عبد المنعم أفندى وحده على الجسر .. لم يكن معه خفراء ..

وأمام ساحة الدوار .. اعتمد على ساعد ابنه توفيق وهو ينزل من فوق الحصان ..

وفى الليل شعر بدبيب المرض وكانت زوجته تروح وتجىء كالمجنونة فى رحبات الدار .. تقدم له هذا الشراب وتمنع ذاك ..

واشتاق إلى عدلى .. بلوعة الأب لابنه .. وفى صباح فتح عينيه ووجد عدلى بجواره يقبل يديه ويمرغ رأسه فى صدره .. ومسح الأب بيده على رأس ابنه .. مسح بيده على رأس ابنه وكأنه يباركه ويدعو له .. أو كأنه يسلمه الزمام .. فقد كان توفيق مشـغولا بكليتـه فى الزراعـة وطيبا إلى درجة لاتؤهله لمسك الزمام ..

***

ولم يطل مرض عبد المنعم أفندى .. وقبل أن ينتهى الخريف اسـتراح مـن كل الأعبـاء .. وكانت جنازته كحياته شغلت كل النـاس ..

***

وبعد أيام الحداد .. شاهد أهل القرية ابنه عدلى على الجسر .. فوق الجـواد الأشهب ومعه ثلاثة من الخفراء .. وفى أيديهم السلاح ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة أخبار اليوم المصرية فى 8 سبتمبر 1984 وأعيد نشرها فى كتاب " الغزال فى المصيدة " لمحمود البدوى عام 2002
=================================


















ليست هناك تعليقات: