السبت، 16 ديسمبر، 2006

الحرب العالمية الثانية فى قصص محمود البدوى ص44

الحرب العالمية الثانية وأثرها
على سكان القاهرة والإسكندرية وبور توفيق
فى قصص محمود البدوى
***
اعداد : على عبد اللطيف
و ليلى محمود البدوى
ــــــــــــ
القـــــــــــاهرة

اشتـعلت نيران الحـرب بين الألمـان والإنجليز ، ودوت صفارة الانذار ، وخافت النساء واضطربن وتجمـعن فى الأدوار السفلى من البيوت ، وأسرع الرجـال من الطرقـات إلى مداخـل المساكن وإلى المخابىء ، وسمع أزيز الطائرات وقصف المدافع المضـادة ، وصوت القنابل القريبة وهى تدوى بفظاعة وعنف ، وكلما أرعد الجو وأبرق ، صاحت النســاء وهـن يطرن فزعا0

ودارت المعـارك على أشـدها فى الصـحراء الغربية ، وتطورت الأحوال بسرعة ، والإنجليز وحلفاؤهم يتراجعون ويفرون أمام ضربات روميل القاصمة وهو يزحف فى الصحراء .

كانت كل القرائن تدل على أن هذه المجزرة البشرية ستنتهى بسحق الإنجليز واندحارهم ، وكانوا يولون الدبر فى كل ميدان0

وأخذ العساكر الإنجليز يتكاثرون فى قلب العاصمة ، وامتلأت بجيوش الانجليز وحلفائهم ، منها يذهبون إلى الميدان وإليها يعودون0

وكانوا منكسرين على طول الجبهة ويغطون انكسارهم بالعراك مع المصريين كلما التقوا فى مكان ، وكانوا يسمعون المصريين يهتفون " تقدم يا روميل " فيزداد غيظهم وسعارهم0

وأخذوا يمرحون فى القاهرة ويسكرون فى حاناتها ، ويملأون الدنيا صياحا ويغنون بالانجليزية فى صخب أغان بشعة ، ويخرجون من الحانات ويمشون فى جماعـات ويدورون سكارى صاخبين معربدين ويحتكون بالمارة المسالمين ويشتـبكون معهم فى عراك دموى ، ويكثر وجودهم فى العتـبة وفى شارع كلـوت بك حيث ظلام الحرب والمواخـير والحشـد المتدفق من الجمهور .

وكان السكارى من جنود الحلفاء يعترضون طريق المواطنين ويخطفون طرابيشهم ، فابتعدوا عنهم وعن طريقهم وعن الأماكن التى يسهرون فيها .

وكانت النساء يسرعن عائدات إلى بيوتهن قبل الغروب وقبل الظلام ، وكن يرتجفن من الخوف كلما شاهدن أحدهم مقبلا عليهن من بعيد .

وانقلبت السينمات ، انقلبت فى الظلام إلى مواخير بسبب الحرب وبسبب جنود الحلفاء .

وذهب العمال ليعملوا فى الجيش البريطانى لزيادة أجورهم والكل يجرى وراء الفلوس .

وطـالت الحـرب واستولى اليأس على النفوس ، وسئم الناس من كل شىء ، وخيم الظلام وطال الفقر والجـوع ونقمة المواطنين على التموين ، وكان الخبز يختفى ثم يظهر أسود كالطين ، ومع ذلك كان الناس يأكلون ، ولم يكن المصريون قد اشتركوا فى الحرب أو كان لهم بها شأن ولكنهم اكتووا بنارها ، وسقطت عليهم القنابل ، وجاعوا وتعذبوا بسببها .

وأفسدت الحرب كل شىء ، فقد تجد عربة وعربتين وثلاث عربات واقفات فى الميدان ساعة وأكثر من ساعة وهى محملة بالركاب ولا تتحرك منها واحدة ، وسائقى التاكسيات كانوا يسرعون فى الليل إلى الملاهى لانتظار جنود الحلفاء ولا يستمعون لنداء المواطنين .

وفى محطة القاهرة يدخل الجنود الإنجليز فى فصائل إلى الرصيف ، وكانت المحطة تعج بالجنود الهابطين من القطارات والصــاعدين إليها بأحمالهم وبنادقهم على أكتافهم ، وأثر الهزيمة باد على وجوههم ، والناس يتخاطفون الصحف والأنباء فى كل لحظة تأتى بخبر جديد .

وفى المحطات كان القطار يجىء متأخرا عن ميعاده ساعة وأكثر من ساعة ، مزدحما بالركاب وكئيبا ، وعرباته قذرة ولم تكن فيه إضاءة والمصابيح كلها مرفوعة من سقف العربات ، وإن وجدت ، فالإضاءة ضعيفة والمصابيح مطلية باللون الأزرق .

وبعد مغادرته المحطة ، يتوقف ، ويطول الوقوف ، فإذا سألت عن السبب ، يقولون غارة .. رغم أن الركاب لم يسمعوا صفارة الانذار ، أو صوت طائرة . وفجأة يلمع شىء فى السماء كالشهب ، وتتأجج النيران لمدة خمس دقائق ، ويخيل للركاب أن الجحيم قد أحاطتهم باللهب .

وكان شارع القصر العينى يزخر طول الليل بحركة السيــارات الكبيرة المحملة بالجنود الذاهبة إلى الميدان والعائدة منه ، وكان رتل السيارات لا ينقطع فى هذا الظلام الشديد لحظة واحدة .

وكانت السيارات تنطلق فى سرعة فائقة ، ولهذا كان السائر فى هذا الشارع يسير حذرا خائفا متوجسا من الظلام ومن السـيارات ومن الجنود انفسهم .

وقوافل السيارات الضخمة مغشاة أنوارها وذاهبة إلى الصـحراء تعبر كوبرى " أبو العلا " تقودها النساء الجميلات فى ملابس الحرب .

وأسرع الناس يخفون جواهرهم وحليهم ويسحبون ودائعهم من البنوك .

وكان " النوتية " يسرقون حاجات السلطة من " الصنادل " ويبيعونها بأرخص الأسعار والذين يشترون منهم هذه الاشـياء يبيعونها لأهل القرى ويكسبون كثيرا .

ومن الناس من كان يتاجر فى مخلفـات الحـرب ، فكان عساكر الانجليز يأتون اليهم باللوريات محمـلة بالبطاطين والمأكولات المحفوظة، والمعاطف والملابس ، فكانوا يشترونها منهم ببضعة جنيهات ويبيعونها بالألوف ، وكونوا ثروات ضخمة .

ومن الناس من كان يبيع الماء الملون لأصحاب الحوانيت على اعتبار أنه ويسكى اسكتلندى ويبيعه بالصناديق ، المغلفه المختومة .

وكان نساء الإفرنج يستقبلن العساكر الإنجليز والأمريكان على ابواب المعسكرات ويذهبن معهم إلى السينما وإلى البنسيونات ويقضين معهم ساعات من الليل وهن لا يجدن فى الخيانة الزوجية أى بأس .

وكان فى مواجهة الراوى منـزل قد اتخذ مسكنا " للمجندات " وكان يرى هـؤلاء الفتـيات وهن رائحـات وغاديات فى حجرات البيـت وردهاته ، ويشاهدهن وهن جالسـات يدخـن السجـاير ، ويشربن البراندى ، ويراهن يخلعن ملابس المجندات استعدادا للنوم ، ويرتدينها فى الصـباح ، ويقـمن بالحركات الرياضـية " السـويدية " ويشاهدهن فى احزان الوحدة ، أو عندما يعدن من سهرة صاخبة ، وكان منظرهن يثير أعصـابه وهو يراهن من نافذة غرفته ، كاشفات عن كل المفاتن.


الإسـكــنـدرية
كانت الحركة فى الإسكندرية عادية جدا رغم قيود الاضاءة المفروضة ، والناس فى حركة دائبة والسكان يخرجون إلى دور السينما والملاهى المتناثرة على طول الكورنيش ، أو إلى المقاهى يستمعون فيها إلى اخبار الحرب ، ولا يغير من وجهها الضاحك سوى وجود الجنود الإنجليز والأمريكان بكثرة فى الشوارع ، وكان منظرهم فى ملابسـهم الرسمية وما يحدثونه دائما من ضوضاء وجلبة فى غدوهم ورواحهم ، يثير السخط فى نفوس الأهالى وينظرون إليهم بعين الكراهية .

وكانت الملاهى ممتلئة بالجنود الإنجليز والسكارى ، وفى ليالى الآحاد يكثر البحارة فى الحانات القائمة على جانبى شارع "البير" ويكثر مع وجودهم عراكهم وصخبهم ، وكانوا فى حالة فزع من الألمان ورعب مزق أعصابهم .

وفى الشوارع الضيقة المعتمة تلمح بعضهم سكارى يغنون وهم يترنحون ، وقد تنشب معارك رهيبة بينهم وبين الأهالى ، كما حدث فى شارع "البير" ، وأطلق فيها النار ، وكاد فيها أن يقبض على الراوى لولا أنه هرب واختفى فى أحد المساكن المجاورة لمكان الحادث واختفى عن الأنظار.

وكان معظم سكان العمارات الضخمة على الكورنيش من الجنود الإنجليز ، وترى فى الليل بعضهم يترنحون فى الشوارع من السكر أو فى صحبة من يقودهم إلى حيث النساء الساقطات .

وكان وجود فصائل من الجنود الإنجليز فى "أبى قير" يجعلهم دائما من ركاب القطارات الذاهبة إلى المدينة والراجعة منها.

وكانت قوافل سياراتهم تتحرك دوما فى الشوارع الرئيسية وهى حاجبة أنوارها والدبابات تتدحرج بعيون عمياء .

وكانت قطع من الأسطول البريطانى راسية فى مياه الإسكندرية فى عرض البحر ، ولكنها كانت لاترى بالعين المجردة ، كانت مختفية عن الأنظار .

وعندما دوت صفارة الانذار ، كانت بعض المجندات داخل السينما فى شارع شريف ، فتوقف العرض وظهر على وجوههن الاضطراب والخوف ، وتلقين من بعض الجنود اشارة فنهضن وخرجن متسللات ، وكانت هناك عربات مغلقة تجمعهن فى الشوارع.

واستيقظ الأهالى على صوت صفارة الإنذار ودوى المدافع وهى تصك الآذان والسماء تتأجج بنار الجحيم والأنوار الكاشفة تدور ألسنتها باحثة عن الطريدة . ثم تكف عن طلقاتها وتبلع الأنوار الكاشفة السنتها ويخيم صمت رهيب.

ثم تسمع أزيزا متقطعا ، وفى مثل خطف البرق تعود السماء تتأجج بالنيران ، وصوت القنابل وهى تدك الأرض ، ويتصاعد الصياح من كل جانب مع صوت النوافذ وهى تغلق ، ويخيل اليك أن المنازل المجاورة أخذت تنهار على من فيها ، وأن الجحيم فتحت أبوابها ، وكل شىء يميد ويلتهب فى السماء والأرض .

ضرب الألمان منطقة البحر ضربا شديدا ليغرقوا الاسطول الانجليزى ، وأصابت القنابل العمـارات فى شـارع الكورنيش فهوت وطارت بعض شرفاتها وتناثر زجاج نوافذها وأصابت الأهالى .

وخيم الهدوء على جبهة القتال ، وانتهت الحرب ورحل الجنود عن المدينة ، وتنفس الناس الصعداء.

*****

بور توفيق

كانت الحرب دائرة على أشدها ، وهزائم الإنجليز تتوالى فى كل مكان ، وجنودهم فى الموانى المصرية مذعورين ، فيصخبون ويعربدون ، وكلما توالت هزائمهم اشتد ضجيجهم وصخبهم وهم يمرحون فى المدينة ، وكان معظم ساكنيها من الفرنجة .

وكان العمل فى شركات التأمين البحرى يسير منتظما وسريعا ، ولكن الإيراد قل بسبب الحرب ، والمراكب تحولت عن القناة ودارت حول رأس الرجاء الصالح .

وانطلقت فتيات من الفرنجة مع هؤلاء الجنود ، وكان كل شىء يدور فى طاحونة مادية .


وكان الناس يعيشون بحسهم ، ويلمسون أوراق البنكنوت بأيديهم وهم يحسبونها كل شىء فى الحياة .

وكان الظلام يلف المدينة فى وشاحه الأسود والهدوء يخيم عليها فى النهار .

وكل شىء يدل على أن هذه الحرب ستطول ، وأن هذه المجزرة البشرية ستنتهى على أبشع صورة ، وكان المصريون يتمنون هزيمتهم على ابشع صورة ، لأنهم يمثلون الظلم والاستعباد والفساد بكل صوره البشعة .

*****

المراجع من قصص محمود البدوى عن الحرب العالمية الثانية:
1- ساعـات الهول ... نشـرت بمجمــوعة الذئاب الجائعـــة 1944
2- جسـد وفنــان ...نشـرت بصحيــفة السـوادى1621948
وأعيد نشرها بمجموعة العربة الأخيرة
3- البـواب الأعرج ... نشـرت بمجمــوعة العـربة الأخــيرة 1948
4- ليلة لن انسـاها ... نشـرت بمجمــوعة العـربة الأخــيرة 1948
5- بيت الأشجـان ... نشـرت بصحيــفة الزمــان 3051950
وأعيد نشرها بمجموعة حدث ذات ليلة
6- ذكــريـات ... نشـرت بصحيــفة الزمــان 24101950
7- حيـاة رجـل ... نشـرت بصحيـفة الزمـان 27و28121950
وأعيد نشرها بمجموعة الذئاب الجائعة
8- الرجـل الشريف ... نشـرت بمجـــلة الجيـــل 2411955
وأعيد نشرها بمجموعة عذراء ووحش
9- الزلــة الأولى ... نشـرت بمجـــلة الجيـــل 1421955
وأعيد نشرها بمجموعة الزلة الاولى
10- تحت النيران ... نشـرت بصحيــفة الشــعب 15111956
11- صراع مع الشر ... نشـرت بمجمــوعة العـذراء والليــل 1956
12- العذراء والليـل ... نشـرت بمجمـوعة العـذراء والليــل 1956
13- الخنــــزير ... نشـرت بمجمـوعة العـذراء والليــل 1956
14- الورقــــة ... نشـرت بصحيــفة الشــعب 1951957
وأعيد نشرها بمجموعة الزلة الأولى
15- الشـــعلة ... نشرت بمجـلة الرسـالة الجــديدة 191957
وأعيد نشرها بمجموعة الأعرج فى الميناء
16- الوشـــم ... نشـرت بمجـــلة الجيـــل 2331959
وأعيد نشـرها بمجموعة حارس البستان
17- الطـــــوق ... نشـرت بصحيــفة المسـاء 2021960
وأعيد نشرها بمجموعة ليلة فى الطريق
18- امرأة فى الجانب الآخر ... نشرت بمجلة روز اليوسف مــايو 1960
وأعيد نشرها بمجموعة غرفة على السطح
19- الشــيطان ... نشـرت بمجــلة الثــقافة اكتـــوبر 1962
وأعيد نشرها بمجموعة عذراء ووحش
20- الأصــلع …نشـرت بمجــلة الهـــلال اكتـــوبر 1970
وأعيد نشرها بمجموعة " قصص من الإسكندرية " من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
21- الـبـرج ... نشـرت بمجمــوعة السفيــنة الذهبيــة 1971
22- المهــاجر ... نشـرت بصـحيـــفة مــايو 2071981
وأعيد نشرها بمجموعة السكاكين



ليست هناك تعليقات: