الخميس، ٧ ديسمبر ٢٠٠٦

أدب المقاومة ـ فى الصعيد المصرى ص2

الرجل الاشول
قصة محمود البدوى

حدث فى أعقاب الثورة المصرية سنة 1919 أن خرج جنديان انجليزيان من المعسكر فى مدينة أسيوط .. وسارا على الخيل بين المزارع .. وكان الجو لطيفا فأبعدا فى السير .. ولم يستطيعا مقاومة الرغبة فى الاستكشاف .. فانطلقا بالخيل على الجسر حتى دخلا القرى التى توجد شرق الخزان .. وقابلهما الفلاحون بالهدوء والصمت .

وفى اليوم التالى رآهما الفلاحون مقبلين من بعيد .

وفى اليوم الثالث كانا يعدوان بجواديهما كأنهما فى حلبة السباق .. فنفرت البهائم العائدة من الحقول .. وذعر الغلمان ودهس أحد الجوادين المنطلقين غلاما صغيرا كان يلعب بجوار الترعة .. فقتله ..

وقبل أن يبلغ الجنديان المدينة .. أصابت راكب الجواد الاشهب الذى قتل الغلام رصاصة فسقط على الجسر .

وحوصرت القرية القريبة من مكان الحادث وفتشت وضرب أهلها بالكرابيج ..

ورغم هذا لم يستدل على الفاعل ..

واستمر الحصار وكان والد الغلام القتيل متوفيا فقبض على كل من يمت له بصلة .. ومنع الأهالى من الخروج إلى الحقول بعد الغروب .. واستمر التحقيق اسبوعا بطوله ..

وقرر الطبيب الشرعى أن القتيل أصيب من رصاصة أطلقت من مسافة بعيدة تزيد على مائة متر .. وأن الرامى أصاب سويداء القلب ، وأنه لم يحدث فى حياته كطبيب أن رأى مثل هذا التصويب ..

ورأى المحققون أن القاتل لابد أن يكون مدربا تدريبا متقنا على ضرب النار .. ويرجح أن يكون من عساكر الرديف ..

وقبض على كل عساكر الرديف فى المنطقة .. وقدم من القاهرة جنود بلوك الخفر وعلى رأسهم ضابط مصرى اشتهر فى أيام الثورة بكراهيته الشديدة للمصريين .. وأخذ فى جمع السلاح من كل بيت فى القرية ..

وكان يحلف الرجل على المصحف .. فإذا أخرج ما عنده تركه .. وإذا لم يكن لديه سلاح .. شد الجنود وثاقه وعلقوه فى حديد الشبابيك .. وأخذوا يضربونه ضربا مبرحا .. حتى يغمى عليه .

وبدأ بالأعيان .. وبالرؤوس .. ليكون الاذلال تاما .. وتكومت قطع السلاح .. وظل الأهالى يصرخون من التعذيب حتى قارب الليل منتصفه .. ثم تعشى العساكر وناموا ..

***

وفى الصباح القى الضابط نظرة على قطع السلاح التى جمعها .. وأخذ يجرب بعضها فى ضرب النار .. ثم أخرج مسدسة .. وأخذ يصوب .

وكان يصيب الهدف من كل الأبعاد .. ورسموا له دائرة بحجم القرش فأصابها من مسافة عشرين مترا ..

وأخذ العمدة والأعيان يصوبون مثله .. ولكنهم كانوا يخطئون الهدف فى معظم الحالات .. وأخذت الضابط الحمية فسمح للأهالى بأن يشتركوا فى المباراة .. ولكن لم يبلغ أحد شأوه .. وظل هو المتفوق الذى ليس له ضريب .

وأظهر براعته الخارقة بأن كتب اسمه على الحائط بالرصاص وصفق له الناس .. ورجع بكرسيه إلى الوراء وهو يضحك مزهوا ..

***

ولم يكتف بهذا الانتصار .. بل فكر فى شىء مثير .. فقرر أن يقف أحد الخفراء فى الساحة بجوار حائط " الدوار " وعلى لبدته الحمراء .. بيضة دجاجة !!

ومع كل ما فى المسألة من حماقة لم يستطع أحد أن يفتح فمه ..

ووقف الخفير المسكين .. وطارت البيضة من فوق رأسه وصفق الناس .. وضحك الضابط ..

وقرر أن يخلع الخفير اللبدة وأن توضع البيضة على رأسه وذهل الناس ونظر بعضهم إلى بعض .. ولكن لم يستطع واحد من الجالسين أو الواقفين أن يعارض هذه الرغبة ..

ووضعت البيضة على رأس الخفير المسكين وامتلأت الساحة بالأهالى .. وكتم الناس الأنفاس .

وخيم السكون واستقرت العيون كلها على رأس الخفير .. وكفت القلوب عن الخفقان .. واستعد الضابط ليضرب ضربته .

وفى هذه اللحظة .. انطلق شىء وهو يصفر من فوق رأس الضابط .. وطارت البيضة ..

وتلفت الضابط والناس مذعورين .. ووجدوا رجلا يقف وحده وراء الساحة .. ويمسك بيده اليسرى بندقية قصيرة .

وصاح أحد الواقفين
ـ حسين الاشول ..

وظل الاشول هناك فى مكانه أكثر من دقيقة يرقب القوم فى الساحة بعينى صقر .. ثم وضع البندقية فى كتفه وبارح المكان .

***

وفى ساعة الظهر رأى الضابط من نافذة السيارة .. نفس الرجل الاشول .. يهبط بحمل صغير التل .. وعلى كتفه نفس البندقية .. فوضع الضابط يده على مسدسه .. وأخرجه من جيبه .. وهو يتابع الاشول ببصره .. ومرت لحظة رهيبة .. شعر الضابط بعدها بيده تعيد المسدس إلى مكانه ..

ولما انطلقت السيارة فى أقصى سرعتها وغاب الرجل عن بصره .. كان الضابط يسائل نفسه فى تعجب ..

ـ لماذا لم يقبض على الرجل .. بعد أن تيقن أنه هو الذى قتل الضابط الإنجليزى .. لماذا ..؟ ولماذا حتى لم يجرده من سلاحه ؟

وأشعل سيجارة شعر بعدها بالراحة .
وكانت السيارة قد اقتربت من المحطة ..
===============================
نشرت
القصة فى صحيفة الشعب المصرية 19/8/1956 واعيد نشرها فى مجموعة قصص من الصعيد من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
================================


ليست هناك تعليقات: