الخميس، 7 ديسمبر 2006

ص 12 حرب اسرائيل الثالثة فى الأدب العربى


القصص المنشورة
ــــــــــــــــــ
ـ الخفير
ـ بائع العطور
ـ الصياد
ـ طلقة فى الظلام
ـــــــــــــــ

الخفــيـر

قصة محمود البدوى


كانت المحطة تقع بجانب بستان الشيخ " عرفان " أكبر البساتين فى المنطقة على الاطلاق .. وفى مواجهتها ترعة الإبراهيمية وفى الشرق والجنوب تمتد المزارع وأشجار الجميز والسنط وعلى امتداد البصر تبدو حقول القمح المحصودة .. والذرة المزروعة حديثا .. والأرض الجرداء الملاصقة للجبل الغربى ..

ويبدو من هنا وهناك شريط ضيق بين المزارع ينحدر حتى مجرى النيل ويلتف ويدور صاعدا حتى المحطة ..

وكانت المنطقة آمنة .. فقد تحول الناس بكل طاقاتهم إلى العمل والكفاح فى سبيل الرزق ونسوا حياة الفراغ والجهالة فيما سلف من الأيام ..

وكانت المحطة مع صغرها معروفة وكثيرة الحركة لأنها المتنفس الحديدى الوحيد لعدة قرى متقاربة فى الصعيد ..

وكانت مشهورة أكثر من أى شىء بخفيرها " سليمان " وهو شيخ متوسط الطول حاد البصر ..

كان له فى شبابه تاريخ حافل بالتصدى لرجال الليل وقطاع الطرق ، فلما طعن فى السن وترك المزارع والوابورات إلى المحطات .. عاش من وقتها على صيته القديم فلم يطلق رصاصة واحدة طوال حياته فى السكة الحديد ..

وكان يؤدى عمله اليومى بأمانة عديمة النظير .. فيحب المحطة وناظرها وعمالها ودخان قاطراتها وكل ما فيها من جماد كأن كل هذه الأشياء قطعة من جسمه ..

***

وتحرك كعادته كل صباح على الرصيف يرقب عربات البضاعة والعمال يحملونها بالأكياس .. وهم يثرثرون ويغنون .. ولاحظ حركة السيمافور المفتوح على خط القاهرة .. لمرور الاكسبريس .. فجلس على كتلة من الخشب ينتظر مروره .. طاويا البندقية بين رجليه .. وأشعل سيجاره وأرسل عينيه السوداوين إلى ما وراء الترعة .. وكانت الشمس قد ارتفعت وضوؤها يبهر الأبصار .. وغمرت صفرتها المحطة وكل ما يحيط بها فبدت المزارع والمياه والبساتين وحتى الرمال التى تبدو من بعيد فى الجبل ، مكتسية بلون الأرجوان ..

وأخذت الريح تهب لينة مداعبة اوراق الشجر .. وصفحة المياه وأعشاش الطيور .. وبدت السيارات الكبيرة المحملة بالبضائع والركاب تثير الغبار على الجسر ..

وفاض سيل الحياة المتدفق فى دائرة قطرها ثلاثة أميال على الأقل فدارت وابورات الطحين والسواقى والطنابير .. وأخذ الفلاحون يعزقون الأرض ويفلحونها .. ويسوقون المواشى إلى مرابطها فى أطراف الحقول ..

ولاحت أشرعة المراكب من بعيد فى وهج الشمس وهى تتحرك ببطء فى النيل فقد كانت الريح لينة والقلوع لاتشيل ..

وقبل أن يمر قطار الاكسبريس .. سمع الناظر رنين جرس التليفون .. فدخل المكتب .. وقبل أن يرد عليه قطع ورقة من النتيجة نسى أن يقطعها الفراش وهو ينظف المكتب .. فظهر يوم 5 يونيو .. بخط كبير وجلس يتلقى من محطة المنيا محادثات هامة عن تحرك القطارات وشغل فى مكتبه عما يدور فى الخارج .. وظل العمال ومن فى المحطة فى عملهم الصباحى المألوف ..

وأزت فجأة طائرات فى الجو .. ثلاث طائرات صغيرة كالنسـور مرت فى سماء المحطة وهى منطلقة بأقصى سرعتها .. وتطلع إليها العمال .. وأوقف الفلاحون حركة المذارى فى أجران القمح .. وحولوا وجوههم عنها فقد أخذ الهواء يعصف ويدوم ويطير التبن فى عيونهم من فعل الضغط ..

وحدق " سليمان" الخفير .. فيها طويلا حتى غـابت عن بصـره واحتوتها السماء .. وبدت بعدها السماء صافية وفى زرقة ماء البحر .

وتصور من فى المحطة أنها طائرات مصرية فى طريقها إلى أسوان .. ولكنهم عرفوا بعد قليل من الاذاعة .. أن اسرائيل هجمت فى جبهة سيناء والطائرات مغيرة .. ووجم " سليمان" قليلا لما سمع الخبر ، ولكن ما عتم أن صفت نفسه ولانت ملامح وجهه .. فقد كان على يقين من النصر ..

وأخذ يسترجع فى ذاكرته كل ما سمعه ورآه .. من مواقف البطولة التى وقفها المصريون وهم يقاتلون الأعداء فى الزمن القريب والبعيد ..

ورجع إلى ميدان المعركة وكان عالم الرؤية يبسط أمامه المواقع فى الجبهة .. تذكر هذا كله .. فرأى الجيش المصـرى بكل فرقه بمشـاته ومدرعاته ودباباته وطائراته يتقدم صوب اسرائيل لسحقها .

وظلت الصورة فى رأسه مبهجة تهز المشاعر .. حتى سمع همسا فى العصر يدور .. على ألسنة الناس .. فارتعش بدنه .. ولكن شجاعته لم تبارحه ويقينه من النصر لم يتزعزع .. فلم يصدق الخبر وغضب غضبا شديدا وكاد يحطم كل متحدث به حتى ناظر المحطة نفسه ..

وفى الليل ظل جالسا وحده .. ينظر إلى الحقول .. ويسمع حركة القطارات وقد أطفأت أنوارها ..

وكانت أسلاك البرق تهتز فوقه ، والظلام يخيم على القرى والمزارع والمحطة غارقة فى الظلام .. خيم جو الحرب بسرعة ..

وكانت صفحة النيل هى الوحيدة التى تلوح بيضاء فى هذا السواد .

وخرج ناظر المحطة من مكتبه .. منفعلا يغلبه التأثر وقد أحس بمثل السكين تغوص فى قلبه .. وقال بصوت يرتعش من الغضب .. اتهزمنا إسرائيل .. يا شيخ " سليمان " ؟ !.. يا للعار .. نتراجع ياللعار .. فلنقاتل حتى الموت .. لنعيش كراما ..

وتجهم " سليمان " .. وأخذ يهدىء من روع الناظر .. ويعده بتحول الحال .. وظلت الأفكار تلاحقه .. أيذهب هو الى الجبهة .. إن ولديه حسن .. وعبد الرحيم .. هناك .. أيذهب هو أيضا ؟ .. إن زوجته قادرة على رعاية الأسرة فى غيابه ولكنهم لايقبلون تطوعه .. فهو شيخ قارب على الستين .. يكفى ولداه .. وقد يقتلان ولكن قبل أن يقتل أى واحد منهما سيقتل عشرة من الصهيونيين على الأقل .. ويكفيه هذا فخرا .. وسيكون النصر .. والشجاعة توحى بالإيمان والأمل ..

ظلت الأنبــاء عن المعركة متضاربة .. حتى الساعة التاسعة ليلا ..

وفى الساعة العاشرة وقف قطار يحمل الجنود الذاهبين إلى المعركة .. فسرت انتفاضة فى جسم " سليمان " .. وأخذ يرحب بهم .. ويشعل فيهم نار الحماسة ..

وبعـد أن تحرك القطـار .. أحـس بصوت عجـلاته يدوى فى قلبه ..

***

وخيم السكون على المحطة .. وكان الظلام تاما فى كل مكان .. وعاد صوت الطائرات فى الجو .. وصوت المدافع المضادة يسمع من بعيد ..

وسمع " سليمان " أن طيارا هبط بالمظلة بعد أن أصيبت طائرته قريبا من قرية تل العمارنة .. واختفى فى الحقول .. وأخذ البوليس يطارده .. وانتصف الليل ولم يعثروا له على أثر .. وازداد القلق والتوتر واشتعل رأس "سليمان".. وأخذ يرسم فى رأسه الدائرة التى يمكن أن يختفى فيها هذا الطيار .. بعد أن طارده البوليس بخيله ورجاله .. ووضحت الصورة فى ذهنه ..

واعتقد أن القدر وضع فى طريقه حدثا جللا بعد كل هذه السنـين الطويلات المدد ليمتحن قدرته على القتال ..

***

ظل يعيش متنبه الحواس حتى الهزيع الأخير من الليل .. وكان على يقين من أن الطيار سيظل فى مخبئه لا يبارحه .. ثم يتسلل قبل نور الفجر ليذهب إلى الجبل .. أو إلى المدينة ويغيب فى زحمة الناس .. بعد أن يخفى مظهره ..

***

وبارح سليمان المحطة فى خفة الثعلب وتسلق شجرة ملتفة داخل بستان الشيخ عرفان .. وكمن فيها .. وعيناه تتحركان فى كل اتجاه .

وفى حوالى الساعة الرابعة صباحا سمع حفيفا واهنا بين أوراق الشجر .. فتسمع ومد بصره .. فرأى شبحا يتحرك بحذر ناحية الشرق .. وتوقف الشبح ليأمن طريقه قبل التحرك .. كان الخوف يزيده يقظة فى كل خطوة .. ورأى " سليمان " عينيه تتوهجان فى الظلمة كما تتوهج عينا الثعبان وهو خارج من جحره .. ومال برأسه إلى اليمين مادا عنقه كما يفعل الثعبان تماما ..

وأدرك " سليمان " دقة الموقف وخطورته .. لو تنبه الطيار المذعور إلى وجوده .. إن الذعر سيجعله يبادر بالحركة ..

لقد حانت الساعة ليهاجمه .. وإلا فلتت منه الفرصة إلى الأبد .. وانتظر " سليمان " لحظات حابسا أنفاسه .. ثم هبط إلى الأرض .. يزحف على بطنه .. من جانب وجاعلا ظهر الطيار إليه .. حتى أحس بانفاسه وظل ملتصقا بالأرض يشتم ترابها ويده على زناد البندقية ..

وأطلق الطيار أولا .. أحس وهو مرعوب بأن شيئا خطرا وراءه فاستدار سريعا وأطلق .. ثم دوى الرصاص .. من الجانبين .. بعنف فمزق سكون الليل .. ونبحت الكلاب بشدة .. وجرى الناس على صوت النار .. ووجدوا على بصيص النور الذى لاح مع نور الفجر "سليمان" يستدير لمواجهتهم والدم ينـزف من كتفه ..

وتحت شجرة ضخمة .. يرقد الطيار الصهيونى ساكنا وقد مزق جسمه الرصاص ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة الجمهورية فى 951968 وأعيد نشرها فى كتاب " صقر الليل " 1971
===================================







بائع العطور
قصة محمود البدوى


كان " إسماعيل " موظفا فى شركة كبيرة بالقاهرة .. ولظروفه الخاصة شمله زملاؤه بعين الرعاية والعطف .. لمرضه المزمن وكثرة عياله وقلة راتبه ..

وكان قليل الأجر لأنه توظف فى سن كبيرة بعد أن بلغ الأربعين ، وكان قبل ذلك يتاجر ، فأفلس كما أفلس أبوه فى السنة التى بعثه فيها يتعلم على حسابه فى جامعة " مونبلييه " بفرنسا ..

كان أبوه يتاجـر فى القطن قبل تأميم الشركات فأفلس ومات كمدا ..

وعاد " إسماعيل " من فرنسا لأنه أكبر أخواته ليرعى شئون الأسرة بعد موت الوالد .. فعمل فى التجارة بمال اقترضه .. ولكنه كان قليل الخبرة .. والسوق متقلبة بين مد وجزر ولم يقو إسماعيل على احتماله .. فأفلس بعد سنتين من مزاولته العمل ..

وعاش فى ضياع وهو يزاول كل الحرف وكل الخدمات التى يقوم بها الرجل حتى مرض وأقعده المرض عن مزاولة أى عمل ..

وأشفق عليه رجل كريم من أصدقاء والده فعينه فى وظيفة بالشركة بمكافأة شهرية ..

واستراح " إسماعيل " من التشرد واسترد بعض صحته وأحس بالاطمئنان وهو يقبض راتبا ثابتا فى أول كل شهر ..

ولكن مع مرور الأعوام وزيادة الأعباء عليه من كثرة العيال ـ وأكبرهم بنت فى الخامسة عشرة ـ أخذ يحس بالضيق ، وبأن زوجته وأولاده لايعيشون مثل الذين هم فى مستواهم ، بل أقل بكثير ، وكان هذا يمزق روحه ويجعله فى قلق دائم ..

وفكر فى شىء يزاوله بعد الظهر وبعد العمل فى الشركة ليزيد من دخله ، ولأنه خجول وشديد الخجل فقد وقف تفكيره فى بؤرة سوداء لايرى فيها بصيصا من النور ..

وأخيرا تذكر شيئا لمع فى رأسه مثل الشعلة وله مثل بريقها .. تذكر أنه كان يسكن أيام دراسته فى فرنسا عند رجل يشتغل عاملا فى مصنع للعطـور .. وكثيرا ما كان الرجـل يحدثه عن العطور وصناعتها وتركيبها .. والمسألة سهلة وتحتاج لمال قليل فلماذا لايجربها ..

وجربها " إسماعيل " فعلا وأخذ يصنع زجاجات صغيرة من الياسمين والنرجس ويعرضها على الموظفين وبدأ بموظفى مكتبه .. ولأنهم كانوا يعطفون عليه فقد اشتروا منه الزجاجات الخمس التى حملها معه من البيت ..

وشجعـه ذلك على العمـل وزيادة الانتـاج .. ولكن الخجل وهى صفة من أبرز صفاته جعلته يحدد دائرة التوزيع .. فاكتفى بعرض بضاعته فى حلقة الموظفين الذين يعرفهم ويحتك بهم فى عمله ..
وسارت الأمور فى سهولة ويسر ..

ولكن أسوأ ما كان يحز فى نفسه ويسبب له الألم .. تصوره أن الموظفين يشترون منه الزجاجات لمجرد الشفقة .. وليس لجمالها وجودة صنعهتا ..

وكان صـادقا فى حـدثه .. فالأمـر القائم على العاطفة لايستقر ولايدوم .. فبعد أشهر قليلة أحس بالفتور فى معاملتهم له .. وأدرك أن مايعرضه أغلى مرة ونصفا مما يباع فى السوق .. وهذا كان طبيعيا ولاحيلة له فيه ولامخرج .. لأنه من يصنع مائة زجاجة من صنف جيد ليس كمن يصنع الفا والفين كما اتفق ومن غير اتقان ..

ثم أن العطر شىء كمالى بحت وليس ضروريا كرغيف العيش .. والموظفون يبحثون عن قوت عيالهم أولا قبل أن يبحثوا عن العطور ..

وعاد يشعر بالاختناق وعياله كلهم فى المدارس .. وابنته الكبرى دخلت الجامعة منتسبة ولها مطالب خاصة فى الملابس والكتب والمواصلات ..

وأشار عليه زملاؤه فى المكتب بتوظيفها .. وهم سيسهلون لها كل الأمور فى حضور المحاضرات حتى تتخرج ..

وتوظفت فعلا فى نفس الادارة وفى غرفة مجاورة لمكتب والدها .. وكانت رقيقة الطبع جميلة .. فأحبها الموظفون جميعا ويسروا لها كل أمور التدريب والعمل والذهاب إلى الجامعة ..

وأحس " إسماعيل " بعد توظيف " ناهد " ومساعدة الزملاء له بأن الأيام أخذت تبتسم له بعد عبوسها .. أحس براحة البال ..

***

وكان من عادة " إسماعيل " بعد أن يقبض راتبه فى أول الشهر أن يشترى شيئا بسيطا لصغاره ليدخل الفرحة على نفوسهم ..

ولاحظ وهو يمشى ساعة العصر فى شارع قصر النيل .. وكان ذلك فى أول يونية 1967 .. لاحظ أن اللافتات تغطى الشوارع .. لافتات من كل الشركات الكبرى والصغرى .. ومن معظم المحلات والدكاكين فى الشارع الطويل .. وجميعها تحمل العناوين المثيرة وتتحدث عن المعركة والهزيمة الساحقة لاسرائيل ..

ونسى " إسماعيل " ما كان يود ابتياعه .. وأخذ يتجول لأنه وجد أن اللافتات ليست فى هذا الشارع وحده ، وإنما تغطى كل الشوارع التى يمر بها فى قلب العاصمة .. وجميعها تحمل نفس المعنى ..

ولشعوره الوطنى المتقد سرته هذه اللافتات .. وأدخلت على قلبه البهجة .. وود لو صنـع لنفسـه لافتة وكتب حروفها بدمه .. وعلقها على صدره ، ومشى بها فى كل ميدان وشارع ..

وهبت العاصفة بعد ذلك بخمسة أيام .. هبت فى اليوم الخامس من يونية سنة 1967 تحمل غبار الهزيمة وتمزق النفوس ..

وأحس " إسماعيل " لوطنيته المتأصلة بطعنة دامية .. كأنه هو السبب فى هذه الهزيمة .. تغير حاله وشحب لونه .. ثم أصيب بشىء أشـبه بالشلل وأصبح يعوقه عن الخطو المتماسك .. أصبح نصف مشلول .. يتحرك بعكاز يعتمد عليه فى خطوه ..

وفى غمرة الحزن والضياع والتمزق سار العمل فى الدواوين والمصالح والشركات فى جمود ورتابة ..

وكان الموظفون يبحثون عن شىء فقدوه ولايعرفونه .. ولايستطيعون الوصول إليه ..

وكان " توفيق بيه " مدير الشركة التى يعمل فيها " إسماعيل " أكثر الناس احساسا بما وصل إليه الحال بعد الهزيمة ، من تغير فى نفوس موظفيه ، وشعور بالمرارة .. فأخذهم باللين وبث فيهم روح الأمل ، ليستردوا أرواحهم ويمحوا العار .. وكان لهم قدوة فى كل عمل .. وأمام كل خطوة .. فكان دائب السؤال عن مشاكلهم وأحوالهم المعيشية .. وعن أسرهم .. فإذا مرض أحدهم زاره فى بيته .. وإذا كان لموظف ابن فى الحرب سأل عن أخباره .. وإذا كان الموظف لايستطيع بوسائله الاتصـال بابنه .. سأل هو بنفسه عنه وطمأنه عليه .. وكان سروره بعد الاطمئنان أكثر من سرور أسرته ..
كان طيب القلب نادر المثال فى العطف والسخاء ..

وهذه الحساسية المفرطة نحو خدمة الناس ورعايتهم جعلته يقود سيارته إلى " السويس " بعد غارة شديدة على المدينة ليأتى بقريبة له أرملة ووحيدة بقيت فى " السـويس " بعـد أن نزح عنها معظم السكان .. وصمم على أن يذهب إليها ويحملها فى سيارته .. ولكنه مات فى حادث تصادم ، قبل أن يصل إلى السويس ، وحزن عليه الموظفون فى الشركة حزنا شديدا .. حزنا من القلب .. فلم يمر عليهم من قبل رجل له مثل صفاته .. كان لهم الأب والقدوة ..

وشاء القدر أن يعوضهم عنه بشىء على نقيضه .. على نقيضه فى كل الصفات .. كانوا قد سمعوا بسيرته قبل أن يجىء إليهم وأنكروها .. فلما جاء إليهم " مظهر بيه " واختبروه عن قرب .. أصبحت الرواية عنه أقل من حقيقته بكثير ..

كان " مظهر بيه " عصابيا مريض النفس ، مجردا من الخبرة والعلم فيما يختص بعمل الشركة ، فغطى جهله ، بالغطرسة والتعالى ..

وكان يحقد على الجميع الكبير والصغير من الموظفين ويلذ له أن يعرف كل صغيرة وكبيرة عنهم ..

ولما أراد أن يشغل إسماعيل فى عمل لاصلة له بوظيفته .. نفر " إسماعيل " منه ورفض طلبه .. كيف يقبل أن يكون عينا على زملائه وينقل إليه أخبارهم .. رفض باصرار .. وتحت اصراره ورفضه .. انتهز المدير أول فرصة وفصل " إسماعيل " من عمله بالشركة ..

ولم يحدث " اسماعيل " أحدا من زملائه عن السبب الحقيقى الذى حدا بالمدير إلى فصله .. كتم عنهم الأمر .. وأخبرهم بأن حالته الصحية وما أصابه من شلل تتطلبان منه الراحة فى البيت ..

ولكن الموظفين لم يصدقوه .. فهو مع حالته الصحية يعمل فى الشركة وينتج أحسن من ثلاثة من الأصحاء ..

ووقع قرار فصله وقع الصاعقة على الموظفين .. لأنهم يحبونه .. ويعطفون عليه ويتصورون أن كل قرش يأخذه من الشركة هو بمثابة حسنة كبرى لها تمحو كل سيئاتها ..

ولذلك لم يتركوه ، كانوا يذهبون إليه فى بيته .. وأخذوا يشيرون عليه بالعودة إلى صناعة العطور ، بعد أن انقطع عن صنعها واشتروا له الخامات والزجاجات الفارغة فعاد يشتغل ، وكلفوا من يوزعها له ويأتى له بالثمن ..

وما لبث أن استرد أنفاسه .. وأخذ يتحامل على عكازه ويوزع الزجاجات بنفسه ..

أما " ناهد " فقد تأثرت بفصل والدها دون سبب ظاهر لها ، وانتابتها حالة من الكآبة انقلبت إلى مرض عصابى شديد .. جعلها فى حالة سيئة .. فكثر تخلفها وانقطاعها عن عملها ودراستها .. وأشفق عليها زملاؤها فى الشركة قأبعدوها عن الشركة ووظفوها فى مكتب محاسب لتبتعد عن جو الشركة كلية ..

***

وأصبح إسماعيل يصنع زجاجات العطر فى البيت ويوزعها .. ويزور ضريح " الحسين " .. وضريح السيدة .. وضريح الامام .. كان فى وقت راحته يكثر من الصلاة والتعبد ..

ووجد المساجد ممتلئة بالمصلين حتى فى غير أيام الجمع .. فى أيام المحن والاحساس بالألم والمرارة يلجأ الناس إلى الله ، وفى أيام راحتهم ورغدهم ينسونه .. فكر " إسماعيل " فى هذا وابتسم .. ووجد فى داخل المسجد من يبيع زجاجات العطر الصغيرة .. والجمهور يشترى ويشترى بكثرة .. خصوصا فى صلاة الجمعة وصلاة العشاء ..

وفكر وهو فى مسجد الحسين .. بأن يتصل بهؤلاء الذين يبيعون الزجاجات العطرية الصغيرة فى وقت الصلاة .. واتصل بأكثر من واحد منهم .. وأصبح يورد لهم الزجاجات الصغيرة والكبيرة .. وهؤلاء يبيعونها فى داخل المسجد وخارجه ..

ثم أصبح " إسماعيل " يورد زجاجات العطر .. للدكاكين أيضا فى أحياء المساجد .. وكانت الصناعة جيدة فراجت ..

وقد جـعله العمـل المتصـل ينسى أنه مريض ونصف مشلول ..
وفصله من عمله دون سبب ، ووجوده فى المسجد ، أوجدا عنده حالة انسانية ومشاركة فى ألم الآخرين ..

وتأثره بالحرب والهزيمة جعلتاه يفكر دوما فى الحرب .. كان دائما يفكر فى الحرب ، وما الذى يعمله لها .. وليس عنده ولد فى سن الجندية يدافع عن وطنه .. ويرضى الوطنية المشتعلة فى قلبه .. ما الذى يعمله ، وهو نصف مشلول ، ليشترك مع المواطنين فى الدفاع عن الوطن ..

فكر فى جرحى الحرب ، ورأى أن يزورهم فى المستشفيات ويوزع عليهم زجاجات العطر كهدية .. يعطيهم أحسن ما عنده .. ويبدأ بهذه الزيارات فى يوم الإثنين من كل أسبوع .. وكان يتبارك بهذا اليوم ، لأنه يوم مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ..

وفى أقسام الجراحة بالمستشفيات عرف مكان جرحى الحرب .. وكان يعطى الزجاجات الصغيرة لكل من فى الغرفة .. كان لايترك جريحا واحدا .. كان شديد الحساسية .. ويعرف ما يتألم منه الناس .. كيف يعطى واحدا ويترك الآخر ..؟

ولذلك كان يعرف عـدد مـن فى العنـبر قبـل أن يلج من الباب .. فإذا وجد ما معه من الزجاجات ناقصا ، أرجأ الزيارة إلى الإثنين التالى ليستكمل العدد ..

وفى كل يوم كانت تزداد نفسه صفاء وشفافية .. وينسى مرضه وينسى أنه نصف مشلول ..

***

وكان جميع أصحاب دكاكين العطور ، فى حى الحسين ، يلحون عليه فى طلب ما يصنعه .. كلما مر أمامهم يتوكأ على عكازه .. بخطوه البطىء .. كان يتحرك خطوة .. خطوة .. ولكن فى إصرار لم يفقد إيمانه بالحياة قط ..

وكان يمـكن أن يستعين بأولاده ، بعـد أن كبروا وشبوا عن الطوق .. ولكنه كان يرفض هذا ..

ويتحرك وحده .. ويترك أولاده فى مدارسهم ودروسهم ..
وأصبح المرضى فى المستشفيات ينتظرون قدومه ، كأنه فى كل مرة سيعطيهم كنزا من كنوز " قارون " كانت نفحتـه العطرة ترطب نفوسهم ، وتجعلهم فى حالة من الرضى النفسى .. والاحساس بالمشاركة من رجل فقير لاغرض له من عمله الانسانى ..

وهذا الرجل الذى يمشى بعكاز ، يجىء اليهم باسما مستبشرا ، متحملا كل مشقات الطريق .. وهو لايبغى من عمله خيرا مـن انســان ، ولامثوبة من مخلوق ..

كانوا ينتظرون قدومه .. ويحسون برائحة العطر من بعيد قبل أن يدخل عليهم ..

وأصبح على مرور الأيام جزءا من حياتهم فى المستشفى .. وعطرهم فى الخارج .. كان من يبرأ منهم ، ويندمل جرحه ، يخرج بعطره معه ، كانوا يحتفظون بزجاجاته الصغيرة ، ولايفرطون فيها أبدا ، كرمز للوفاء النادر .. كرمز للإنسان المصرى الفقير المضحى بقوته ليرى الفرحة فى وجوه الآخرين ..

***

ونسى " اسماعيل " فى رحاب المسجد .. وفى انشغاله بزيارة الجرحى .. " مظهر بيه "وكان هذا قد ذهب عنه هيلمانه وصولجانه وأصبح لايخيف أحدا ..

كان يخرج من باب المصعد ويسير فى الطرقة ويحيى كل من يقابله برقة حتى السعاة والفراشين .. ومع أنهم كانوا يردون تحيته بالبساطة والطيبة اللتين فى نفوسهم ، ولكنهم كانوا يحتقرونه ..

وأحيل إلى المعاش وترك الشركة .. ونسى الموظفون هذا الرجل .. نسوه تماما وأزاحوه من عقولهم وتفكيرهم .. إلى أن جاء إليهم من ذكرهم به .. وأخبرهم أنه مريض .. ومرضه خطير تحير فى تشخيصه الأطباء فى مصـر ، ونصحـوه بأن يسـافر إلى الخارج ، وسافر مرتين دون نتيجة ..

وفى المرة الثالثة تبين أنه مريض بسرطان الدم وصرف آلاف الجنيهات وباع كل ما يملك وأصبح فى حالة نفسية يرثى لها ..

وعندما ذهب الموظفون إلى بيت " إسماعيل " وأخبروه بالخبر .. تأثر جدا ودمعت عيناه وفكر معهم فى أحسن وسيلة لمساعدة هذا الرجل دون ايذاء لشعوره ..
ورسم لهم الطريق ..

ونجحوا فى جمع مئات الجنيهات له .. وكان أكثر الموظفين تبرعا ، هم أكثر من تحمل الايذاء من هذا الرجل .. وكان إسماعيل أكثرهم جميعا ..

وكان فوق هذا يدعو له بالشفاء كلما دخل المسجد .. نسى ما فعله فيه من قبل .. نسى أنه شرده وهو مريض وضاعف من ألمه وسبب له الشلل .. نسى كل هذا بعد أن صفت نفسه من كل أدران الحياة ..

***

ومرت سنوات .. وأصبحنا فى سنة 1973 وعندما هل شهر رمضان بنوره فى هذه السنة ، وكنا لانزال فى الخريف ولم تشتد بعد وطأة الحر على الصائمين .. كان " إسماعيل " يقضى من الظهر إلى صلاة المغرب فى مسجد " الحسين " بجانب عمود من أعمدة المسجد ، يضع عكازه .. ويجلس يقرأ القـرآن .. ويحضر صـلاة العصر جامعة .. ثم صلاة المغرب .. ويفطر على كوب من الخروب .. ثم يذهب إلى بيته ليتناول طعام رمضان مع أسرته ..

وذات يوم وهو فى جنبات المسجد ، أغفى قليلا بعد أن صلى ، واستيقظ على صياح وتكبير فى خارج المسجد .. ثم سمع التكبير فى داخله ..

وكان " الراديو " فى الخارج يذيع بأن الجيش المصرى اقتحم خط " بارليف " ورفع العلم المصرى على شرق القناة ..

وانتفض اسماعيل من الفرحة .. واهتز كيانه كله .. سرت فى عروقه موجـة وهو ينتفض ويهرول إلى الخارج ليسمع الراديو عن قرب ..

وكان فى هذه المرة قد نسى عكازه فى داخل المسجد .. ولم يشعر بفرحته لنفسه وهو فى قلب الشارع من غير عكاز مدركا بأنه قد شفى تماما من علته .. لأن الفرحة الكبرى بالانتصار كانت أعظم ..




====================================
نشرت القصة بمجلة الثقافة ـ العدد 58 ـ يولية 1978وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان ..... و " قصص من القاهرة " ـ مكتبة مصر
====================================





الأدب المصرى فى حرب5 يونية 1967
الصيـــــا
د



قصة : محمود البدوى




أبحر الزورق فى الخليج .. ومنذ اندلعت نيران الحرب "وشعبان" لايبـعد فى الليـل .

كان يصطاد قريبـا من الساحل متحاشيا الموج ما أمكن ، وكانت الظلمة شـديدة ولكن الريح كانت رخـاء .. فأرسل الزورق على سننه .

وأخذ يرمى الشبكة وهو جالس فى المؤخـرة .. وكان يمنى النفس بصيد كثيرقبل أن ينتصف الليل .. فلم يكن منذ نشب القتـال يتأخر عن زوجته وابنائه الصـغار . كانت صورهم لا تبعد عن ذهنه أبدا وهو فى قلب البحر .. انهم امتداد له وحياة ..

خلف مدينة السويس وراءه غارقة فى الظلام ولا يبدو من بيوتها البيضاء ومآذنها وأعمدة مصابيحها .. إلا ظلال فى العتمة الشاحبة .

وبدا شاطئا القناة من بعيد فى سواد الأبنوس .. وغابت الأشجار التى على الشط الغربى من بور توفيق فى الظلمة وانطمست معالمها ..

وأخذ شعبان يحرك الزورق بلين .. ولجة الماء دكناء ساكنة وغيـاهب الليـل تتساقط فى كل ساعة تنقضى وتصبح كريش الغراب .

وفجأة أحس أن الشبكة أمسكت بشىء .. فقد اهتزت فى يده بعنف .. وخشى أن يمزق الصيد الشبكة لضـخامته وقوته .. فأرخى الحبـل حيث جرته السمكة واتجه إلى الشرق .. تسـحب فى لين وراء السمكة الكبيرة .. التى أحس بها تنتفض فى عنـف وخشى أن تكون من صنف القرش فيذهب كل تعبه هباء وتصبح الليلة لا نفع منها ولا جدوى فيها .. تصبح ليلة من ليالى النحس .

واشتد الجذب فأرخى الحبل .. أرخى وهو يحس برجفان قلبه وظـل يطامن حتى وجـد نفسه يقترب من شط القناة الشرقى ويسير بحذائه فى هوادة ولين ، حابسا ما أمكن صوت المجاديف .

كان يعرف أن المعركة فى هذا الساحل وأن القتال يدور على اشده هناك .. وأخـذ يسمع بوضوح صوت القنـابل التى تلقيها الطائرات وصوت المدافع .

كان شعبان يعيش فى قلب المعركة بكل حسه ووجدانه .. لم تكن بعيدة عنه أبدا فقد بدأت يوم الإثنين .. واليوم هو الأربعاء ثالث أيام المعركة ، والقتال يدور فى عنف وكان يتبعها بحواسه وإذا سمع نبأ سيئا ثار وعض على نواجذه ولم تمنعه الحرب عن السعى وراء معاشه ولكنه كان يخرج فى الليل مسلحا ببندقية سريعة الطلقات يتقى بها الشر أينما كان ..

وفى اللحظة التى أحس فيها بغريزته كصياد أن الشبكة صادت شيئا ضخما لم يحدث له فى حياته .. انتابته نشوة عارمة .. وكان لايود أن يفلت منه هذا الصيد أبدا .. فلما جذبته شرقا طاوعها واتجه بالزورق إلى الشاطىء الشرقى .. كان لايريد أن يضيع منه الصيد بعد هذه المشقة .

وأخذ يسحب الشبكة بيد الصياد الماهر .. وقد خيم السكون فجأة وخيل إليه أن الحرب قد توقفت .

خيم سكون ذهل له .. وخيل إليه فى قلب الظلام أن المدينة ستتلألأ فى هذه الليلة كما كانت قبل الأيام الثلاثة .. ستتلألأ كما كانت من قبل وتزهو وترقص قناديلها كلما مايلتها الريح ..

***

وعندما اقتربت الشبكة من القارب ورأى بعينيه السمكة الكبيرة التى اصطادها شعر بفرحة .. إنها ليلة من ليالى الخير .

وأخذ وهو نشوان يخـرج السمكة من الشبكة ويضـعها فى بطن القارب .. إنها ضخمة بشكل مهول ، ومن أكبر الأسماك التى اصطادها فى حياته كصياد .

***

وفجأة سمع أزيزا عنيفا وحلقت طائرة فوق رأسه .. فاضطرب أولا ولكنه تماسك وحدق فى الظلام فبصر بأجسام طويلة تسقط من الطائرة فى مجرى القناة .

ودوت المدافع المضادة وتكهرب الجو .. واستمر القصف مدة .. ثم سكن ..

وظل الصياد يتحرك فى المياه الهادئة وهو قريب من الساحل ، وسمع فجأة اشتباكا على الأرض قريبا منه وطلقات رصاص .

فلما اقترب بالقارب من الموقع والظلام يخيم على البحر واليـابسة .. بصر بجندى مصرى من جنود السواحل مشتبك مع دورية اسرائيلية فى قتال رهيب .. ومع أنهم أكثر منه عددا ولكنه ظل صامدا وقتل منهم واحدا وجرح آخر .. وكان منبطحا وراء كثيب من الرمل .. والرصاص يتطاير حوله .

ودفع الصياد الزورق إلى الشاطىء ونزل منه سريعا واقترب من الموقع زاحفا ببندقيته حتى كمن بجانب الجندى المصرى وأخذ يشد أزره على القتال والصمود وكان الجندى قد جرح جرحا بليغا فى هذه اللحظة ولكنه ظل مع ذلك يطلق النار ثم سكتت بندقيته .

وظل الصياد يقاتل وحده حتى سكتت كل بنادق العدو .. وخيم السكون وظل فى مكمنه قابعا بجوار رفيقه مدة ثم رأى أن يغير المكان .. فنهض وتلفت حواليه ليتخير الموقع الذى سينتقل إليه .. وهنا سمع انفجارا رهيبا فى البحر وطار زورقه وتمزقت شباكه ولم يحزن كثيرا .

وتقدم حتى اقترب من جندى السواحل الجريح .. كان لايزال ينـزف دمه .. وغسل جراحه وحمله على ظهره وسار به فى الليل محاذرا متوقعـا فى كل خطوة أن يقـع فى أيدى الأعـداء الذين انتشروا فى الصحراء ، وكان الرصاص يتطاير حواليه وخلفه .

سكن الليل بعد القذف واللهب المنبعث من الأرض والسماء .. سكن الليل .. سكون الموت .. وكلما سار الصياد بالجنـدى خطوات طلب منه هذا أن يضعه على الأرض ويمضى لسبيله وإلا سيقع الإثنان فى أيدى الاعداء .. ولكن الصياد كان يرفض بإصرار ويتصبب عرقا .. وهو يسير باذلا من الجهد فوق كل طاقات البشر .

كان ينظر إلى الشاطىء الغربى والليل قارب على منتصفه والظلام يخيم ولا مغيث ..

قد تمر عليهما دوريات الأعداء وتمزقهما بالرصاص ..
وظل يسير وهو يحمل الجريح والريح تصفر فى الصحراء ..

كان شعبان يحس بثقل الجسم على عاتقه وبتعبه الشديد وانقطاع انفاسه ولكنه كان لايريد أن يضع الجريح على الأرض أو أن يستريح خشـــية أن يعـطل ذلك إسـعافه وإنقــاذ حياته .. ولأول مرة يعرف قيمة النفس البشرية والحرص على بقائها وبذل كل سبيل لإحيائها .

لكم خرج فى الليل يصطاد الحيتان ، ولكم قاسى فى الليالى الحالكة ، ولكم خاطر بحياته ليأتى بطعام أولاده .. ولكم شعر بالفرحة بعد الجهد والعرق ..

ولكنه لم يحس بمثل السعادة التى يحس بها الآن .. وهو يحمل جنديا جريحا .. قاتل ببسالة ..

ولم يكن وهو يحمله يفكر فى تعبه قدر تفكيره فى انقاذ روحه .

ولأول مرة فى حياته يحس بأنه وحدة واحدة فى عالم كبير .. وأنه جزء من كل .. وأن التعاون عضد الحياة ..

***

وطال السير فى الليل والظلام .. وبلغ المرحلة التى أحس بعدها الصياد بأنه لا يستطيع أن يتقدم خطوة أخرى .. وأنه آن له أن يلقى بالحمل على الرمال .. ويتخفف هو من ملابسه .. وقد يجد شيئا يستعين به على أن يعبر القناة إلى بور توفيق ، أما أن يربط حياته بهذا المخلوق الميت .. فذلك فناء وسيموتان معـا .. أى سـلسـلة ربطتــه به ، لابد من فكها ..
وتمهل جدا .. وفى ظل كومة من الرمال وسد الجريح بعناية كما يوسد الموتى تماما ، وجعل وجهه للقبلة وقرأ الفاتحة فى صوت خافت .. ثم القى عليه نظرة أخيرة وانطلق فى الرمال .

وكان الظلام يلف كل شىء فى شملته .. والريح تسفى الرمال ومياه قناة السويس ساكنة على شماله .. وغياهب الظلام تزداد كثافة ..
وسمع طلقات النار مرة أخرى

ولكنه كان مطمئنا بأنه سينجو وسيعود إلى بيته كما خرج منه .. ولكن كيف يعود .. ويترك رجلا من وطنه ينزف دما .. ولا تزال فيه الروح .. كيف يتركه هناك وحده .. أحس بأن قدميه تغوصان فى الرمال ومسح عرقه ..

ورجع الى الجريح فحمله مرة أخرى وسار به قرب الشاطىء .

***

وفى وضح الفجر .. رآه صياد آخر عن بعد ولوح له شعبان بيده فحول الصياد الزورق إليهما والتقطهما .. وظل شعبان يحكى ما جرى له للصياد الآخر ويحكى ..
===============================
نشرت القصة فى كتاب " السفينة الذهبية " لمحمود البدوى 1971
===============================





الأدب المصرى فى حرب 5 يونية 1967
طلقة فى الظلام

قصة: محمود البدوى




كانوا ثمانية خرجوا فى الظلام من مدينة "العريش" والعدو على مبعدة ثلاثة كيلو مترات منها .. وهدير القصف يسمع فى كل مكان ..

وعندما تجاوزوا حدود المدينة وجدوا خلقا كثيرا يتحرك مثلهم إلى الغرب ..

واكتسحت الجموع الطريق الضيق ، كانوا يسيرون فى مشقة ، وقد اختلط الحابل بالنابل ، والرجال بالنساء ، والأطفال بالشيوخ ، والعذاب يلفهم فى كل خطوة .

كانت الحرب تتحرك بسرعة رهيبة .. والحياة نفسها تتحرك فى قلوب هؤلاء المشردين بسرعة ولهفة ..

وكانت السيارات قد اختفت عن المنطقة كلها ، أخذها من سبقهم إلى الفرار .

والطريق المألوفة قـد خربت بالقنابل لتعوق المدرعات من الانسحاب ، فاضطر الأهالى إلى الاتجاه إلى البحر ، والتفرق فى صحراء سيناء ، وساروا على وجوههم .. وكانت الأرض والسماء ملفوفتين بالدخان والنار .. والطيور تطير مذعورة وريح الصيف تزفر نارا وبخارا ..
وكان القلق يعصف برؤوسهم ..

وظلوا يسيرون طوال الليل ، والقنابل تتناثر حولهم ، ودوامات الرمال تثور فى وجوههم والفراغ الرهيب الذى يحدث من الانفجار يعريهم من ثيابهم ، ويطير متاعهم من أيديهم ..

***

ورغم تفكك الجموع .. ظل الثمانية كما هم .. وكانوا جميعا من الموظفين المصريين الذين يعمـلون فى العريش ومن بينهم سيدتان .

ورغم تزايد عدد الرجال على النساء فى هذه الرحلة الرهيبة فقد استراحت المرأتان إلى الصحبة .

ولم تكن بين هذه الجماعة أية علاقة عمل أو جوار .. ولكنهم اجتمعوا على الطريق لغرض واحد ..

وساروا أولا حـذاء البحر ، والنخيل الكثيف النابت فى الماء على يمينهم يتمايل ويلطف الجو كله . فلما جاءتهم أنباء بنـزول الأعــداء من ناحـية البـحـر ، غيروا اتجاههم ودخلـوا فى الصـحراء .

وبعد نهار خانق وشمس حامية ، ورمال حارقة .. عثروا فى الليل على سيارة قديمة ، وقبل سائقها بعد مساومة طويلة ، وبعد الضراعة ، وكل ضروب التوسل .. قبل أن يحملهم إلى القنطرة شرق وهم وحظهم فى العبور .. !

وتقاضى منهم الأجر مقدما قبل أن يضعوا أقدامهم فى العربة .. تقاضى منهم أجرا باهظا كأنه سينقلهم إلى أوربا .. ودفعوا صاغرين ولم يتعجبوا إنها دقات الحرب ونوازعها الشريرة فى النفوس الوضيعة .

وقال السائق القصير العنق ، النمش الوجه ، الأحمر الشعر ، بعد أن تحرك بالسيارة فى طريق ملتوى يعرفه أمثاله :
ـ سنتعرض فى الطريق للتفتيش .. فقد نزلوا بالمظلات وهم الآن أمامنا .

ونظر للسيدتين بخبث فالتهب وجهاهما .
ثم أضاف :
ـ وأرجو ألا يكون معكم سلاح .. وإلا تعرضنا للمهالك ..
فلم يرد عليه أحد .. كان الانكسار قد سحق مشاعرهم ، وجمـد إحساسهم ، فلم يعودوا يعبأون بأى شىء يقع لهم . وكانوا قد خرجوا من بيوتهم دون أن يتزودوا بزاد الطريق ، حمـلوا نقودهم فقـط ، وتركوا كل شىء آخر ، ومنهم من نسى حتى ذلك ..

ولم يجدوا على الطريق من يبيع لهم الماء .. وشكروا الله لأنه ليس معهم أطفال .

وبعـد سـير بطىء أسرع منه المشى على القدم .. وفى جو الحرب والقصف .. فاجأتهم غارة مروعة فخرجوا جميعا من السيارة ، وطاروا على وجوههم يدفنون أجسامهم فى التلال الرملية المحيطة بهم .

***

ولمــا فتــح " إسـماعيل " عينيـه وأفـاق من غشيته ، وجــد " أمينة " وحدها هى الباقية من الثمانية ، ولم يعرف أين ذهب الباقون ، غيبتهم الصحراء فى جوفها ، أم مزقتهم القنابل.

وشكرت " أمينة " ربها لأنها وجدت رجلا بجانبها فى الليل والحرب .. وكانت قد استراحت إلى " إسماعيل " منذ ركبت معه السيارة ، استراحت إلى أعصابه الهادئه وجلده .. واشتمت فى ملامحه وطباعه النبالة .. ولم تكن فراستها تخيب أبدا فى نظرتها إلى الرجال ..

فمنذ بدأت تعمل وتخرج إلى الحياة ، وتنتقل من بلد إلى بلد ، وهى تحمل بين جنبيها ذخيرة تجارب صادقة ..

ولم تكن وهى الأنثى الشابة الجميلة إلى حد الفتنة .. ترفض البعد عن الأهل فى سبيل العمل والحصول على رزق أوسع .. وكانت بعد " العريش " تتطلع إلى العمل فى الكويت .. وليبيا .. والسعودية لتجمع لأسرتها من المال ما يبنى لهم بيتا .. " فيلا " جميلة بدلا من السكن بالإيجار ..

ولكن أحلامها أوقفتها الحرب عند وجه " إسماعيل " .

وتطلع إليها فى غبش الظلمة والصحراء فى لون الرماد ، والطلقات تصفر .. وقال بتؤدة وهو يتألم لما لاقته فى سفرها من عذاب :
ـ يجب أن نخرج من هذا المكان .. ونسرع ما أمكن .. وكنت أود أن يعطينى الله القوة لحملك . . وما أحسبك ثقيلة الوزن ..
فقالت ورغم الضنى ابتسمت :
ـ فى حدود ستين كيلو ..
ـ ليس هذا بالصعب .. إنه وزن استطيع حمـله والسير به عشر خطوات .!

ونظر إلى عينيها على اتساعهما ، تلتمعان فى الظلمة .. وقد هزتها كلماته المداعبة فى هذا الجو .
وقال وهو يجلس على الأرض :
ـ يجب أن نتخفف من حملنا لأن المشوار طويل .. وسأبدأ بنفسى .

وفتح حقيبته وأخرج حاجات قليلة وضعها فى جيبه .. وألقى بالحقيبة وما بقى فيها فى الرمال وهو يقول :
ـ انها مطمع للأعراب .. ولا خير فيها ..
وقالت بعد أن شاهدته يضع مسدسا فى جيبه .
ـ أكنت تحمل المسدس .. بعد أن حذرك السائق من التفتيش ..؟
ـ المسدس حملته من أجلك .. ومن كان يضع يده عليك سأرديه قبل أن يتحرك له أصبع ..

فانشرحت لقوله وقالت فى رقة :
ـ ولكنك ستموت بعدها ..
ـ وما قيمة الموت للمرء .. بعـد أن يشعر بأنه أدى واجبه كرجل ..

وقال وهو يشير إلى حقيبتها :
ـ والآن جاء دورك ..!
فقالت وهى تفتح الحقيبة ..
ـ انظر ليس بداخلها سوى أشياء قليلة .. ماتتزين به النساء .. ونقودى وجواهرى ، أما ملابسى كلها فقد تركتها فى البيت .. وليس معى سوى فستانى الذى أرتديه ..

وتأمل فستانها الوردى ، الذى كان لايزال منسجما على جسمها ، رغم رحلة العذاب . وكانت رشاقتها تنبع من حيوية جسمها . فبعد التمرغ فى الرمل يبدو كل شىء بعد لحظات بكل جماله الطبيعى .. العينان والشفتان .. كلها تفيض بالحرارة والفتنة ..

وكانت قد غطت شعرها الأسود المتموج بإيشـارب وخلعـت ساعتها الذهبية .. كما خلعت حذاءها .. وأبقت سلسـلة ذهبية فى عنقها لأن فى نهايتها " المصحف " ..
وأعطاها جوربه وهو يقول :
- البسى هذا .. وسنسير فى الليل .. وفى بكائر الصباح .. أما فى وهج الشمس فسنتوقف عن السير .. ونحتمى فى أى مكان نراه صالحا .

ووضعت يدها فى داخـل حقيبتها ، وأخرجـت منها حزمـة من الأوراق المالية وقالت له :
ـ ضع هذه النقود فى جيبك ..
ـ خليها فى مكانها وسأحمل عنك الحقيبة بما فيها .. ولكن ما هذا المبلغ كله ؟
ـ كنت ذاهبة إلى " غزة " لأشترى ثلاجة وتليفزيون ، وأدوات مائدة لأختى ، والحمد لله لو ذهبت ما استطعت العودة ..
ـ خذى هذا المبلغ احتياطيا للظروف .. فربما طوقونا .. وفصلوا بيننا ..
ـ معى ثلاثين جنيها ..
ـ أين .. ؟ !

واستغرب فلم يكن لثوبها جيوب .. وأشارت إلى صدرها فى خجل ..
ـ يا لبراعة النساء ..

وابتسم والليل تبدو غياهبه فى كل موضع .. وبقيت النجوم وحدها تتلألأ فى السماء بين الدخان ولهب الحرب ..

وحمل لها الحقيبة وسارا .. وعجب ـ وهو يسير إلى جانبها فى الليل والحرب ـ لما أحس به .. فقد شعر بقـوة لم يشعر بمثلها فى جسمه .. وكانت الريح الخفيفة تحرك الرمال .. ولكن سماء شهر يونية بدت صافية .. كلما خف الدخان ووهج النيران ..

وشعرا معا بوجود جسم رمادى يتحرك عن يمينهما على مبعدة مائة خطوة لا أكثر ، ثم تبينا أنها سيارة عسكرية للعدو .. وكانت تسير ببطء شديد فى طريق متعرج .. وتتـوقف لتسير .. ولعلـها ترسـل الإشارات .. وأحس "إسماعيل" بالخطر . فأمسك بيد أمينة وجذبها إلى الأرض .. فانبطحت بجانبه فى رملها وترابها .. وهمس فى أذنها .. فكتمت أنفاسها والتصقت بالرمل أكثر وأكثر .. وتخشبا تماما .. ووضع يده على مسدسه .. ثم تركه بعد أن تبين أنها مخاطرة .. فيها من الطيش أكثر مما فيـها من التعقـل .. ومـا ذنب أميـنة فهى إن نجـت من القتـل لن تنجـو من العـار ..

وأمسك بيدها وضغط وأحس بالحرارة والعرق والتراب والرمل .. أنه ترابه ورمله .. ولن يخوناه أبدا .. وراقب السيارة بعين الصقر حتى ابتلعتها الصحراء فى جوفها ..
وأنهضها واستأنفا السير ..

ولم يكن يدرى أهى خائفة ..؟ كما تخاف النساء من الليل والحرب أم لا .. ولكنه كان مستيقنا من أنها شجاعة .. وأنها سريعة الخاطر ومتحركة .. وتبين له هذا من كل الأشياء التى اعترضتهما فى الطريق .

ولم يكن يسير فى طريق يعرفه ولكنه كان بحسه يتجه إلى القنال بعيدا عن طريق الحرب .. وعن جوف الصحراء حتى لايظل فى التيه ..

سار على هدى بصيرته مستضيئا بالنجوم .. وسارت بجانبه مطمئنة راضية .. ونسى تعبه وجوعه ، ونسى قدميه وقد أخذتا فى التورم .. ولم يكن يدرى الذى جرى لقدميها ولكن كانت تتحمل العذاب فى صمت ..

وأحس بأن له هدفا وسط هذه المعمعه ، التى لم يشترك فيها بسلاح .. وهو أن يهون عليها السير ، ويحميها من شر الليل ، وشر الإنسان .

***

وقبل الفجر بساعتين استراحا بجانب تل .. بعيدا عن كل قدم يمكن أن تتحرك .. ووضع لها الحقيبة تحت رأسـها الذى عصبـته "بإيشـارب" وتمددت على الرمال وهو قريب منها.

ولما شعر بأنها نامت ، وأحس ببرد الليل ، خلع سترته وغطاها فى رفق حتى لاتوقظها حركته .

ولكنها كانت متيقظة ، وشاعرة براحة النفس واطمئنانها ، لأنها لاتزال حية وفى رفقة رجل أدركت بغريزتها كل ما فى طباعه من نبل وشهامة .. وان لم يحدثها أحد عن ذلك ..

وكانت تلاحظه بعينيها وهو على مبعدة خطوتين منها .. وتخاف عليه من حشرات الصحراء فى الليل ..

نسيت أنها فى حرب .. وما يأتى ساقطا من السماء هو شر من كل حشرات الأرض .. ولاحظت أنه لم يدخن حتى فى النهار وضوء السيجارة لايضير فى هذه الساعة ولا يكون دليلا للأعداء .. حرم نفسه من هذه المتعة لأجلها حتى لايضـايقها برائحة الدخان .. ويثير أعصابها وهى جائعة تعبة ..

كان قميصة قد اتسخ ، وتهدلت بدلته وعلق بها العرق والغبار .. وطال شعر ذقنه وبدا خشنا وعلا الشحوب وجهه .. واتسعت عيناه من الارهاق والجوع ..

كانت الصورة فى مجموعها تثير الشجن ولكنها شاقتها .. كانا فى حالة عذاب مشتركة وقد سرح بها خيالها حتى جعلها تتصور .. أنه سار فى هذا الطريق الشاق من أجل أن يحميها .. ولو كان وحده لسهل عليه الأمر .. ونجا ..

وفتح عينيه وهى تمشط شعرها ، ورأى حبات الرمال فى لون الزمرد عالقة بثوبها .. كأنها تطريز جديد عمل فيه بدقة .. فعجب للطبيعة التى تزيد من جمالها فى كل ما تفعله بها .

وقالت بعذوبة ..
ـ ألا تحلق ذقنك ؟
وضحك لمداعبتها وقال :
ـ وينقصنا الحمام أيضا .. ومرآة زينة كبيرة لك وكل العطور الجميلة التى فى العالم .. والآن هيا .. مع الجوع والعطش ..

***

ومشيا بعدطلوع الشمس على مهل ، كانا ينـزعان أقدامهما من الأرض بمشقة .. واشتد بهما الجوع وبلغ العطش مبلغه .. فظهر الشحوب على وجهيهما ، وابيضت الشـفاه وتشـققت .. وترددت الأنفاس بصعوبة .. ولكنهما كانا من الشجاعة بحيث لم يتطرق إلى قلبيهما اليأس ..

ومشيا أقل من مائة خطوة ، ثم ارتميـا على الأرض كميتين ، وأغلقا عيونهما من الشمس وأخذ هو يتشهد فى سره ..

***

وتحرك "إسماعيل" بعد ساعة وفتح عينيه وشاهد على مرمى البصر .. وفى وهج الرمال المصفرة من الشمس خيطا من الدخان يتصاعد من ظهر كوخ .. فنبه "أمينة" إلى ما شاهده وهو يشعر بالفرح .. فقد وجد خيطا من الأمل وسط ظلام اليأس .. والجوع القاتل .. وجعلها تستريح فى مكانها ..

واتجه هو نحو الكوخ محاذرا منهوكا ، ولما اقترب تصلبت رجلاه ويده على المسدس .. كانت تحدق فيه من فتحة الكوخ عينا رجل .. وجه نحيل خشن وحاجباه كثيفان ، وعيناه فيهما صرامة وتحد ..

وأظهر إسماعيل كل ضروب الوداعة واللطف .. وهو يقترب من الرجل ويقف على بابه .. ويطلب منه الماء والطعام .. واعتذر الرجل بأن الدار خاوية منذ الأمس ، فلا توجد كسرة خبز ولا قطرة ماء .. عندهم .. ولم ييأس " إسماعيل " وظل يحـاور الرجل ثم أخرج له ورقة بخمسة جنيهات ليغريه ، فتغير حال الرجل على التو .. ودخل وعاد يحمل خبزا ولبنا .. ناولهما لإسماعيل ..

وحمل إسماعيل الخبز واللبن فى ركوة ومنديل ولكن قبل أن يبعد عن الكوخ سمع المرأة فى داخل الكوخ تشتم زوجها وتوجعه بالكلام وتوبخه ، لأنه أخذ ثمنا لإطعام جائع غريب .. وظلت تصب عليه اللعنة بصوت جارح .. ثم جذبت الورقة ذات الجنيهات الخمسة منه ، وخرجت تجرى ، وأعادتها لإسماعيل ، وهى تعتذر عن جشع زوجها .. وسرته هذه الشهامة من الاعرابية .. وحكى كل شىء لأمينة وهما يجلسان للطعام .. وكان يردد :
ـ تأملى الحياة .. الخير .. والشر .. فى بيت واحد ..

وبعد أن أكلا وشبعا .. لم يستطيعا مواصلة السير إلا قليلا .. جعلهما الشبع بعد الجوع القاتل فى حاجة شديدة إلى النوم .. فناما فى فجوة منخفضة ..

واستيقظ إسماعيل " وأمينة " نائمة بجواره وتكاد تكون ملاصقة له .. وقد جعله الطعام الذى أجرى الدم فى عروقه وغير من حاله .. ينظر إليها لأول مرة كما ينظر الرجل إلى المرأة .. ويشتهيها ..

وكانت نائمة مستسلمة ، وما تكشف من جسمها ، رغم ما علق به بسبب الطريق كان لايزال يثيره ولو اقترب منها ما منعته .. ولا رفضت له رغبة .. ولقد لفتهما الحرب فى إعصارها والموت يترصد لهما فى كل خطوة .. فلماذا يحرم نفسه من متعة الدنيا ، وحياته مهددة بالموت فى كل لحظة ..

وهم بأن يقترب منها ولكنه أحس بمثل الاعصار .. يشق عينيه .. فظل جالسا مدة فى مكانه ساهما سادرا .. ثم رجع إلى نفسه يلومها على ما انتابه من هواجس وأدرك أنها كانت تحتقره لو فعل بها شيئا .. تحتقره كرجل ، لأنه استغل ظروف المكان ، وخان الأمانة التى جعلتها تضع نفسها ومالها وجواهرها فى حماه ..

ولما استيقظت من نومها .. ابتسم لها وأمسك بها من يدها واتجها إلى القنال .. وفاجأتهما غارة عنيفة وهما على مداخل القناة .. وغاب إسماعيل عن وعيه ..

ولما أفاق أحس بأثر الضربة فى صدغه .. ولا يدرى أكانت من شظية أم من الحصى المتطاير من فعل القنبلة .. وسال منه الدم ولكنه تحامل على نفسه ونهض وأخذ يبحث عنها كالمجنون .

وبعد طول البحث لم يعثر عليها . وأدركه اليأس ، وبلغ منه التعب منتهاه ، فارتمى على حافة القناة وكأنه يموت ..

***

ومضت ساعات وهو مضطجع بجانب التل يتابع بعينيه موج البحر .. وكان شهاب من نار ودخان يتفجر فى الصحراء .

وظل " إسماعيل " الليل بطوله يسمع الدوى ، ويرقب البحر ، وهو فى أشد حالات الحزن لفراق " أمينة " وقد نهش قلبه القلق عليها ولفه فى إعصار ..

ورأى فى مواجهته زورقا يقترب من شط القناة بحذر .. فنهض فى تثاقل وتعب وأخذ يتجه إليه ، ولمحه الصياد وهو يسير على الشاطىء .. فحرك الزورق ليقترب منه ..
وقال له إسماعيل :
ـ تعدينى القناة يا ريس ..؟
ـ أعديك .. ولكن انت شايف الحال ..
ـ أى حال ..؟
ـ اليهود فى كل مكان .. فى الشمال والجنوب وطائراتهم تدك .. والتعدية مخاطرة .. وثمنها غال ..
ـ أنا مستعد لما تطلب ..
ـ أعتدت أن آخذ مائة جنيه .. ولكن لأجل خاطرك سآخذ خمسين فقط ..
ـ لماذا تستغل الظروف يا ريس .. عيب .. تكفى عشرة ..
ـ قلت خمسين يعنى خمسين ..
ـ هذا كثير ..
ـ أنت حر ..

وحرك المجاديف ليبتعد بالزورق ، فارتعد إسماعيل بعـد أن أدرك أنه سيدفن فى فيافى هذا المكان كما دفن غيره ، وقال فى ضراعة ..
ـ سأدفع لك ما تريد ..
ـ النقود أولا ..

فأخرج إسماعيل المبلغ من الحقيبة وأخذ يعد له الخمسـين جنيها والصياد يحدق فى محتويات الحقيبة ..

ونزل إسماعيل فى الزورق وشد الصياد المجاديف .. واضطجع إسماعيـل فى باطن الزورق من الخـلف ، وهو يحس بتعب شديد فى عظامه ولحمه .. كانت الأوجاع قد أخذت تتوزع على جسمه كله .. ورأسه ينفجر من أشد أنواع الصداع .. فوضع رأسه على الخشب الصلب ليفلقه نصفين ويستريح .. ! وظل نائما على جنبه وظهره إلى الصياد الذى كان يجدف فى حذر وسكون ، وتكاد مجـاديفه لا تمس الماء ولا يسمع لها صوت ..

ولامست يد إسماعيل بالمصادفة معدنا صلبا صغير الحجم وهو يدس يده بين فتحات الخشب فى باطن الزورق .. وجعله حب الاستطلاع يمرسه بين أصابعه .. حتى تبين أنه سلسلة ناعمة خارجة من فتحة فى صندوق ، غيبه الصياد فى باطن الزورق .. وحدق إسماعيل فى الظلام بين شقوق الخشب فلم يتبين نوع السلسلة .. فحول وجهه إلى الصياد وسأله :
ـ أمعك ثقاب " يا ريس " ..؟
ـ لماذا ..؟
ـ أشعل سيجارة ..
ـ السيجارة تضيعنا .. اننا فى حرب ..

فأذعن إسماعيل للأمر .. وصرف ذهنه عن السلسلة والصندوق بعد أن أدرك أن الصندوق موجود غالبا فى كثير من الزوارق التى تبقى فى البحر ..

وسأل وهو يتطلع إلى وجه الصياد الجامد وكان يراه طويلا مستقيم العود .. رغم أنه يزاول التجديف كثيرا ويحنى جذعه ..
ـ عديت ناس كتير يا ريس ..؟
ـ كتير .. من يومين وأنا أعدى خلق ..
ـ وتحت أى بلد نحن الآن الإسماعيلية أم السويس ..
ـ اننا فى الخليج قريبا من السويس .. ولو كنا تحتها كنا ضعنا من زمان ..
ـ ألم تعدى سيدات ..؟

وحدق إسماعيل فى وجه الصياد وهو يلقى عليه هذا السؤال فرآه جامدا لم يتغير ..
ـ سيدات فى هذه الأهوال .. أبدا ..
كان صوته هادئا وواضحا ..
ـ بقى كتير على البر ..
ـ اننى أحاول أن أبعدك عن المخاطر .. ولذلك تحس بطول المسافة .. قربنا .. أمامنا القليل ..
ـ سأنام وعندما نصل أيقظنى ..
ـ حاضر ..
ومضى زمن ..

وأغلق إسماعيل عينيه بضعة دقائق واسترخى .. وأحس بتوقف المجاديف .. فتصور أن الزورق وصل إلى الشاطىء .. وفتح عينيه فإذا بالزورق لايزال فى وسط الماء .. ولمح فى يد الصياد شيئا غريبا .. مسدسا كبيرا من طراز إيطالى قديم .. وكان يعده للحركة الأخيرة .. ضغط الزناد .. وقد انشغل به .. فتأمله إسماعيل فى صمت وتوجس من الرجل شــرا .. مسـدس كهذا فى يده لماذا ؟ .. إنه لا ينفع فى الحرب ..

وأحس بالخوف وبالعرق على جبينه وبازدياد ضربات قلبه ..

ولكنه تمالك نفسه سريعا ووضع يده على مسدسه وأصبعه على الزناد .. وأخرجه من جيبه ، وفى اللحظة التى كان فيها الصـياد يمد يده ويصوب إلى رأس إسماعيل وهو نائم ، تحرك إسماعيل سريعا وأطلق النار .

وضاعت الطلقتان فى دوى المدافع ووهج النيران ..

***

وأحس إسماعيل بالدم يلطخ ثيابه ، وأدرك أن الرصاصة أصابت كتفه وخرجت من جسمه واستقرت فى قاع الزورق .. وحدق فى وجه الصياد وجس نبضه فتبين له أنه مات ..

وظل يبحث فى بطن الزورق حتى وجد قطعة حديد رفع بها قطعة الخشب التى تغطى الصندوق .. وكسر القفل وفتح الصندوق .. فوجده ممتلئا بالنقود والحلى ووجد سلسلة " أمينة " الذهبية ومصحفها ، فارتجف قلبه وارتعد ، وكان الزورق ساكنا فى وسط الماء ، فتناول إسماعيل المجدافين .. وأخـذ يجـدف طوال اللـيل متجها إلى "بور توفيق" ..

أدرك وهو ينظر إلى الشواطىء البعيدة أن الصياد كان يغرر به ويتجه إلى الجنوب .

ولما بلغ شاطىء " بور توفيق " ترك المجدافين وحمل فى يده حقيبة " أمينة " وكل الجواهر والنقود التى وجدها فى الصندوق ، وخرج من الزورق بعد أن دفعه برجله إلى عرض الماء ..

***

وعندما صعد إلى شارع القناة ، كان الظلام لا يزال يخيم ، والمدينة ساكنة ، بعد أن توقف الضرب ووجد أمينة جالسة تحـت الشـجر وحدها تنتظره ، وكانت حزينة وجائعة ونعسانة ..

ولما رأته استردت روحها وجرت إليه وارتمت على صدره ..

=================================
نشرت القصة بمجلة الهلال فى 991972 واعيد نشرها فى كتاب " الظرف المغلق " لمحمود البدوى عام 1980
=================================

ليست هناك تعليقات: