الخميس، 7 ديسمبر، 2006

حياة محمود البدوى الأدبية وتفتح المشاعر للكتابة الجزء الثانى ص38

تفتح المشاعر للكتابة والقدرة على التأليف

الرحلة إلى أوربا الشرقية عام 1934 ورواية الرحيل .
المقابلة مع العالم النفسى سيجموند فرويد .
المنابع الأولى للفن القصصى .
المجموعة القصصية رجل .
نقد رواية « الرحيل » والمجموعة القصصية « رجل » بأقلام الأدباء والنقاد عام 1936 .

=============================
الرحلة الأولى إلى أوربا الشرقية
عام 1934 ورواية الرحيل


زار البدوى أوربا الشرقية على نفقته الخاصة ولم يكن يفكر فى كتابة قصص عنها، ولكن أهلها أثروا فى عقله ووجدانه وتحركت مشاعره ووجد نفسه فى حالة انفعال ويزخر رأسه بمئات الأحداث الصغيرة والكبيرة ، فأخرج دفترا صغيرا من جيب سترته وسجل فيه ملاحظاته قبل أن تنمحى من ذاكرته وتضيع منه ، وحينما عاد إلى مصر استعرض فى ذهنه صور الحادثات التى مرت به فى رحلاته وشغلت جانبا من تفكيره ووقته فأخرجها على الورق فارتاح ذهنه وصفيت نفسه ..

* * *

مثال عن بعض الملاحظات التى سجلها بالدفتر الصغير عن الرحلة :

الإسكندرية ــ الوداع فى الباخرة ــ فى عرض البحر ــ الأسى وقليل من الوحشة ــ الركاب ــ الليل والموج ــ السامر على ظهر الباخرة ــ شقراوات ــ النوم ــ اليقظة واستقبال الشمس ــ غروب الشمس ــ السحاب والليل ــ الجزر ــ بيريه ــ الوصول إلى أثينا ــ محطة أثينا ــ الآثار خلال الطريق ــ اليونانى فى الحان ــ اليونانيات ــ الطلبة التشكسلوفاكيين فى الباخرة ورحلتهم إلى القطر المصرى ــ 22 قرش الواحد إلى أسوان شهران ــ الطالبات التشكسلوفاكيات الراكبات من أثينا والذاهبات إلى بلادهن ــ الأنس بالحديث معهن ــ الزواج ــ العناوين ......

* * *

الاقلاع فى عرض البحر ــ جبال ــ غروب الشمس ــ سحب جميلة ــ فتنة الطبيعة ــ الدردنيل ــ البوليس التركى ــ سحب الباخرة عند بدء مرمرة ــ الجندى التركى يرتل القرآن .
الآستانة ــ منظر عام الضواحى ــ النزول ــ الطعام ــ المعيشة ــ أيا صوفيا ــ فى الترام .
الإقلاع ــ البسفور أبدع ما صور الله .

* * *

كونستنزا
ـــــــــــــــ
الجمرك ــ العربات ــ أول حمال ــ الفنادق ــ فندق النزول ــ الخادمات ــ بلاج مامايا ــ الصور على الشاطئ ــ عيون جميلة .
فى الفندق ــ آه أنت تعب ــ النوم .

* * *

إلى بوخارست
ــــــــــــــــــــــ
الليل ــ المطر فى بوخارست ــ المدينة ــ طريق النصر ــ حديقة كارول ــ الخادمة فى الفندق ــ الغريزة الجنسية ــ المطر .
اليوم التالى ــ صحو ــ مكتبة ــ شراء كتب لأسكار وايلد ولورنس وجويس والبحث عن مجلة .... والحديث مع الآنسة ... المطاعم ــ النساء فى الشارع ــ الغرف المفروشة ــ طبع الرجال تغلب عليه الغلظة .

* * *
العودة إلى كونستنزا
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فى القطار ــ جاره ــ المقعد غير مريح ــ استبداله ــ تنازلى عن مقعدى لسيدة والحديث معها ــ استغلال العطف .
المراعى ــ قطعان البقر ــ القمح ــ الفلاحين فى الحقول ــ الأجران ــ كثرة العشب ــ المراعى ــ خصوبة الأرض ــ القرى فى الجبل ــ الدانوب ــ ملك الأنهار ــ غروب الشمس فى الجبل .
منظر السحب فى كونستنزا ساعة الغروب ــ المنظر من فندق بالاس ــ الفنانون يرسمون لوحًا لمنظر الغروب ــ الإنجليزيان فى المطعم ــ حديث الرومانى معهما ــ فى المطعم تأكل بعينيك وقلبك وفمك وأذنيك ــ بائعة الفاكهة والعربجى .

* * *

فى الكازينو
ـــــــــــــــــ
وصف الكازينو ــ الموسيقى ــ الروليت ــ القبعة وما تكلف من مصاريف ــ المقامرون ــ السيدة الجميلة فى المطعم ... الحديث مع القطة ــ الصور الزيتية فى الكازينو ــ صورة صيادوا الدانوب .

* * *

ويقول البدوى

" وبعد رحلة طويلة إلى أوربا الشرقية على باخرة رومانية قبل الحرب العالمية الثانية ، بدأت من الإسكندرية إلى اليونان ثم تركيا وإلى رومانيا والمجر عبر نهر الدانوب ، كان العالم يعانى من الكساد ومن أزمة اقتصادية طاحنة والرخص الشديد يعم الآفاق .. وعلى الظهر " الدك " بسبعة جنيهات مصرية ذهابا وإيابا .. ولكن لم أنم على الظهر فقد استأجرت قمرة بحار فى السفينة بجنيهين طوال الرحلة .. وكنت أنزل إلى القاع وأختلط بالبحارة والوقادين وهم يجرفون الفحم إلى نار السفينة، ( كانت السفن وقتها تتحرك آلاتها بالفحم ) ويقصون حياتهم فى البحار والموانى ..

وعدت من هذه الرحلة متفتح المشاعر للكتابة ، ووجدت فى نفسى القدرة على التأليف وانقطعت عن الترجمة ، فكتبت رواية قصيرة باسم "الرحيل" "وهى قصة شاب على ظهر مركب يبحر من الإسكندرية إلى البسفور ، يحكى فيها انطباعاته عن البلاد التى زارها" . وطبعتها فى عام 1935 على نفقتى الخاصة ، وعلى ورق " رومان " أغلى أنواع الورق فى مطبعة الرحمانية بالخرنفش ، ولم يتجاوز طبع القصة الجنيهات العشرة ، وبعد هذا أخذ ذهنى يفكر .. ويشغل بتأليف القصص "

و" أحب بطبعى الريفى السماحة والنخوة والكرم والشهامة التى ألاقيها من الغريب ، وهذه النخوة وجدتها فى أوربا الشرقية ، عندما زرتها وأنا شاب فى الخامسة والعشرين ، وهى السن التى بدأت فيها الكتابة والنشر ، وأنا هنا لا أتحدث عن الأدب الإبداعى ، ولكنى أتحدث عن أدب الحياة ، عن الناس العاديين الذين يعملون فى معترك الحياة ، إن اللحظة التى شاهدت فيها موظفة فى محطة السكة الحديد شابين يرتعشان بالخارج من البرد والثلوج تتساقط عليهما ، فخرجت من مكانها الدافئ ، وأدخلتهما فى غرفة الانتظار بالمحطة المخصصة لكبار الزوار .. هذه اللحظة فيها لمسة إنسانية من الموظفة ، وفيها شهامة يبقى أثرها فى النفس ، كما أنها دليل على الروح الإنسانية الشجاعة فى أعماقها التى جعلتها لا تخضع للقوانين " ..

* * *

ويقول نعمان عاشور تحت عنوان محمود البدوى فى الميزان المنشور بمجلة التحرير فى 3/3/1959 :
" واصطدم بعقبة النشر ولكنه قاوم ولم ييأس ، وكانت أمنيته فى ذلك الوقت أن تدخل القصة المصرية إلى كل بيت وإلى كل جيب وأن يكون ذلك عن طريق إصدار مسلسلة للقصة تصدر كل شهر ويكتبها القصاصون المصريون ، واختار لهذه المسلسلة عنوانا هو "مكتبه الجيب" فكان أول من استخدم عبارة الجيب فى صحافتنا وأدبنا " .

==================

المقابلة مع العالم النفسى الشهير سيجموند فرويد بالنمسا عام 1934

تسبب كثرة تنقل محمود البدوى من مسكن إلى آخر فى ضياع الكثير من الأوراق والمستندات بعد قيامه برحلته عام 1934 . وسأكتفى بنقل بعض ما قيل بالصحف والمجلات عن مقابلته للعالم النفسى الشهير سيجموند فرويد .

نشر بمجلة الهدف عدد مايو 1960 مقالة لأبو خالد عن كتاب " غرفة على السطح " وجاء فى نهاية المقال .. بقى أن تعرف أن محمود البدوى هو الكاتب العربى الوحيد الذى التقى بالعالم النفسى الشهير "سيجموند فرويد" فى النمسا عام 1936 والتصق به فترة غير قصيرة ، وتعدد بينهما اللقاء والمكاتبات ــ ولعل هذا يلقى ضوءا على اهتمام البدوى والدوافع والحوافز الجنسية عند أبطال قصصه ، لأنه يؤمن إيمانا راسخا بمذهب " فرويد " فى التحليل النفسى ، ويرجع انفعالات البشر دائما إلى أصلها العضوى ، والبدوى حريص على أن يطبق مبادئ فرويد التحليلية على أشخاص قصصه وتصرفاتهم ، وينهج فى ذلك نهجا علميا دقيقا بقصد الدراسة والتنوير لا الإثارة والتشويق ..

* * *

نشرت مجلة الأدب فى عدد يوليو 1961 مقالة للأستاذ ماهر شفيق فريد وهى عن نقد مجموعة غرفة على السطح ، وفى بداية المقال قال :
"وجال فى أوربا حيث التقى بعميد مدرسة التحليل النفسى سيجموند فرويد وتأثر به فى إلقاء الأضواء العلمية على السلوك العاطفى لأبطال قصصه ، وجال فى ربوع آسيا فكان لذلك أثر واضح فى كتاباته ، وعندما قفل راجعا إلى مصر كانت دوامة الحرب العالمية الثانية ( 1939 ــ 1945) تعصف بالملايين وتقوض القيم الإنسانية فى النفوس ، ومن هذه الأجواء استوحى مجموعته الأخيرة " غرفة على السطح " .

* * *

وفى مقال بقلم فوزى سليمان بصحيفة المساء 22 نوفمبر 1962 تحت عنوان " كاتب الجنس الذى يؤمن بالخير فى الإنسان " قال :
" هذا الكاتب الإنسان الذى يؤمن بالخير فى الإنسان وبالحياة ، عندما ذهب إلى أوربا فى الثلاثينيات من هذا القرن ــ تعرف على سيجموند فرويد من أعماله وتتلمذ عليه وتعرف على فلسفته عن قرب ، وأدرك العناصر الإنسانية فى هذه الفلسفة ، ومن خلال طاقاته الأدبية " .

* * *

وكتب عاشور عليش مقالة بصحيفة المساء 30 مايو 1963 تحت عنوان " مع كاتب القصة الذى تحققت أمنيته هذا الأسبوع " .. قال :
"هذه الوحدة التى استشعرها محمود فى القاهرة فى أول عهده بالشباب ، هى التى دفعته إلى الائتناس بالناس ، وصداقتهم ، مهما اختلفت مشاربهم وألوانهم ، ويلتمس لهم الأعذار فى ضعفهم وتصرفاتهم .. وهى التى أغرته بدراستهم ودراسة مشاكلهم ، وفهمهم نفسيا واجتماعيا . هذه الدراسة النفسية والولوع بكل ما يكشف النفس الإنسانية ، هو الذى دفع بمحمود البدوى إلى لقاء العالم النفسى الشهير دكتور فرويد فى فيينا بالنمسا عام 1934 ويكون بذلك محمود البدوى أول عربى يجتمع بالعالم النفسى الشهير ويناقشه فى مؤلفاته ونظرياته . ومن هنا يتضح أن رحلات البدوى إلى الخارج لم تكن للسياحة أو الزيارة فقط وإنما للمعرفة والدراسة ، ولذا يلح محمود البدوى على كل أديب وخاصة على كتاب القصة ، أن يسافروا إلى الخارج " .

* * *

وكتب الأستاذ شكرى القاضى بصحيفة الجمهورية 24 فبراير 1986 تحت عنوان "فارس القصة القصيرة يودع الحياة عبر مظاهرة صحفية :
" تفرد فى المزج بين الرومانسية والواقعية فى قصصه التى تأثر فى تحليل شخصياتها بالعالم النفسى الشهير "سيجموند فرويد " خاصة بعد أن التقى به أثناء رحلاته فى أوربا " .

===============

المنابع الأولى للفن القصصى

يقول البدوى
" حبى للقصة القصيرة وراءه باعث رئيسى ، هو ولعى بالإيجاز والاختزال اللذين أجدهما فى طبيعة القصة القصيرة ، ويحضرنى هنا أسماء كثير من الباحثين الغربيين الذين شهدوا للقصة العربية فى قرونها الهجرية ــ الإسلامية ــ بالرقى، لا لشىء إلا لأنها تحتوى من البلاغة التى هى التركيز والتكثيف الشىء الكثير.. إنهم يؤكدون أن القصة القصيرة إنما هى فن العرب لا الغرب ، فالعرب بطبيعتهم رحالون من مكان إلى آخر ، وبين هذا المكان وذاك يرددون حكاياتهم الموجزة ، فالحياة العربية ، لطبيعتها البدوية ، لم تكن تمكنهم من سرد القصة الطويلة أو التمهل عند تفصيلاتها ، ومن هنا ، أستطيع القول إن تعريف القصة القصيرة العربية عند العرب كما هى الآن لا تزيد على ربع ساعة فقط .

وهذا الوقت الوجيز هو الذى يمنح القصة حلاوتها المميزة .. وهو ما جعلنى أعود للأدب العربى وأحاول أن أغترف من المنابع الأولى للفن القصصى .. وبالتحديد من القرآن الكريم ..
لنتوقف قليلا عند هذه النقطة لأهميتها ..

انظر إلى عظمة الإيجاز القرآنى وهو يقول :
" ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم " .
إنها عبارة بليغة تعبر عن نفسها بنفسها ، وتحمل معانى كثيرة قل أن يستطيع التعبير الطويل أن يعبر عنها ، اقرأ هذا الحكم " إلا أن يسجن أو عذاب أليم "

ثم أنظر إلى مثل آخر :
" يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين " انظر إلى دلالة المعنى الذى تطلقه امرأة ، ومع هذا ، فإن الرسالة تصل بشكل فيه بلاغة وصدق ويحوطه التقدير والإجلال .

إننى أستطيع الخروج من كل آية بقصة قصيرة يمكن أن تتوافر فيها شرط ( لحظة التنوير ) كما يقال لنا الآن فى التعبير عن القصة القصيرة .. إن القرآن الكريم به أول قصة قصيرة .

وعلى هذا النحو ، فإننى أستطيع بلفظ أو أكثر من لفظ ( منحوت ) الوصول إلى أدق المعانى وأكثرها تعبيرا ودلالة .

غير أننى لا يمكن أن أغبن الغربيين حقهم فى الفن الإبداعى للقصة القصيرة ، فإننى لا يمكن قط أن أنسى براعة " تشيكوف " وهو يروى القصة فتصل إلى درجة بعيدة من الإعجاز ، لا لشىء ، إلا لأنها تحتوى على التركيز والمعنى فى جلسة صغيرة ..

==================

المجموعة القصصية " رجل "

بعد رحلة البدوى إلى أوربا الشرقية ، وجد فى نفسه القدرة على التأليف وانقطع عن الترجمة ، فنشر قصة " الرحيل " ، وكان يكتب قبله محمود تيمور وأحمد خيرى سعيد ويحيى حقى ، ولكنه اتخذ منذ البداية خطه ومنهجه وشكله فى الكتابة عن أدباء الغرب الذين قرأ وترجم لهم وعلى رأسهم جميعا تشيكوف ، وتعلم منها ما لم يتعلمه من أديب آخر .

ويقول :
" بدون شك أنا تأثرت بالشكل والأشخاص والإيقاع عند تشيكوف فأنا أعتبره أعظم كاتب للقصة القصيرة .. وهو الذى أعطى لى الشكل الذى أعيش فيه حاليا ولن تجد جيلاً محددًا أنتمى إليه ، فلم أتأثر بأحد قبلى .. لقد حفرت طريقى بنفسى ولم أعتمد على الآخرين .

وأخذ ذهنه يفكر ويشغل بتأليف القصص القصيرة .. ويقول:
" أخذت القصة القصيرة ، لأنى بطبعى أحب التركيز وأستطيع أن أضع فيها الفكرة التى أضعها فى القصة الطويلة ، وهى تحتاج للقارئ الشديد الذكاء اللماح الذى أكتب له ، وقد أكون أخذتها لأنى أحب التخصص ، ولكثرة ما قرأت لتشيكوف .. أو لأن نفسى قصير .. أو لأنه ليس عندى من الصبر ما يساعدنى على كتابة القصة الطويلة ..

* * *

جمع البدوى القصص التى كتبها والمسماة باسم " رجل .. الأعمى .. النجم البعيد .. فى الظلام " بين دفتى كتاب وطبعها على حسابه بالمطبعة الرحمانية بالخرنفش عام 1936 .

================

نقد رواية " الرحيل " والمجموعة القصصية " رجل "

حينما صدرت الرواية الوحيدة " الرحيل " عام 1935 والمجموعة القصصية " رجل " عام 1936 .. تناولتهما الصحف والمجلات بالنقد والدراسة والتقييم، رغم أن مؤلفهما يعد كاتبا صغير الحجم ــ فى ذلك الوقت ــ بجوار عمالقة الأدب الذين يشغلون الساحة الأدبية فى تلك الفترة .

* * *

حينما صدرت الرحيل ، كتب على دياب بجريدة السياسة اليومية :
" أول ما يمتدح فى القصة ولعلها آخرها ــ فالأمر سيان ــ هو أسلوبها الفخم الرائع ، الذى جمع بين بديع الأدب القديم وبلاغته وفصاحته ، وجزالة الجديد وبساطته وتعابيره ، وقد أدخل الكاتب فى قصته ألفاظا وتعابير غريبة ــ ولكنها مستحبة غير نابية ــ فسما بذلك بأسلوب القصة وجعلها شيئا جديدا فى القصص المصرى الحديث وأساليبها .

أما ما يستحق النقد من القصة فهو تفككها وعدم ارتباط أجزائها كل بالآخر وهذا ما يبعدها عن تعريف القصة اللفظى وهو ــ الاستطراد والمتابعة ــ ولعل هذا ناشئ من مراجعة موضوع القصة أثناء الطبع وحذف ما لا يجيز القانون والعرف والآداب العامة نشره منها " .

* * *

وكتبت صحيفة الأهرام فى 18/12/1935 :
" عنوان قصة لطيفة دبجتها براعة حضرة الأستاذ محمود البدوى ، وتدور حوادثها على رحلة شاب مصرى إلى إسطنبول وما وقع له من الوقائع الغرامية فى أثنائها ووصف بعض الأماكن التى زارها .

* * *

وكتبت جريدة الصباح فى 21/2/1936 عن المجموعة القصصية " رجل " :
"لقد قرأناها كلها لأن شيئا فيها كان يدفعنا إلى قراءتها ، ذلك هو الصدق الذى نبحث عنه فى كل شىء ، فطابع الصدق فى هذه القصص كان يعيننا على تذوقها والاستمتاع بما فيها ، ولعل هذا الطابع الذى نحبه ونسعى إليه كان ظاهرا جدا وواضحا كل الوضوح ، فى قصة " الأعمى " فهذه الصورة الريفية الإنسانية لا يمكن أن تكون منتزعة من الخيال ، فإذا كانت كذلك فإن صاحبها لبارع جدا وأنه لصاحب بصيرة نفاذه إلى الحقيقة دون أن يراها ، وثمة شىء آخر تتسم به هذه القصص ذلك هو أدب المؤلف ، أو بعبارة أخرى عدم ميله إلى ما هو مستقبح ، ولأفسر ذلك فأقول أنه تحاشى أن ينصر الرذيلة، بل عاملها بمنتهى الهوادة حتى انتزع منها روحها ، وفى قصة الأعمى ترك الرذيلة تؤدى مهمتها لكنه عاقب أصحابها عقابا نفسيا رائعا .. وفى القصص الأخرى كبح جماحها وجعلها تنسحب من الميدان .

وبعد .. فقد لا ينقص هذه القصص إلا قليل من المراجعة ليصبح أسلوبها يستحق ما يحمله من فكر صادق ورأى صائب وأدب رصين .

* * *

قالت الجريدة السورية اللبنانية 17 أيلول 1936 عن هذين الكتابين :
"مكتوبه بأسلوب سهل بليغ وفيها تحليل لشتيت من الخوالج النفسية ، أما حوادثها فتسترعى انتباه المطالع لتناسقها وارتباطها ووصفها البيئة المصرية ، وقد أعجبتنا بصفة خاصة قصة الأعمى ، فهى والحق من أروع القصص القصيرة التى طالعناها .

والكتابان جميلا الطبع وهما حلقتان من سلسلة كتب يعدها حضرة المؤلف تحت عنوان "مكتبة الجيب" فبينما نثنى على أدبه نتمنى أن يصدر فى القريب بقية المؤلفات التى أعلن عنها ، فإن الأدب العربى بحاجة إلى مثل هذه الجهود المنتجة " .

* * *

وكتبت مجلة الشباب فى 10/6/1936 :
"قصص تبلغ فى بعض الأحيان مبلغا غير يسير من الإجادة والاقتراب من الكمال الفنى ، أما الكتيب الأول فقد أسماه مؤلفه الأديب محمود البدوى "الرحيل" وهو كذلك قصة جميلة محبوكة ضمنها مؤلفها الشاب خطرات نفسه ولواعج صدره ، وجمع إلى هذا جمالاً فى أسلوبه ، ودقة فيما يرسمه من التصاوير حتى لتعد بعض صفحاتها مثالاً طيبا لجهود الأدباء الشبان ..

..... وعندنا أن مثل هذه الجهود المبارك عليها فى الأدب التى يبذلها بعض الأدباء الشبان كالأديب البدوى هى التى يصح أن تتوجه إليها عناية القارئين وتشجيعهم ، فهى تبشر بمستقبل بسام فى الأدب وفى القصة .

* * *

وكتب هلال شتا فى جريدة السياسة الأسبوعية 1/6/1936 عن المجموعة القصصية " رجل " :
" أول ما فتننى من الكتاب أنه ــ كسابقه ــ يدفع بالقصة المصرية إلى الأمام دفعا ويرتفع بها شيئا فشيئا إلى حيث يجب أن تكون ، ذلك أن فن القصة فى مصر لم تمض على ولادته إلا بضع سنوات ، ولم يجد من يتعهده من الكتاب ويقف عليه جهوده وفنه اللهم إلا طائفة قليلة لا تعدو أصابع اليد الواحدة عدًا .. يتزعمها المازنى وهيكل وتيمور وطه وأبو حديد والحكيم .. ، فقد نزع البدوى إلى القصة النفسانية التحليلية وفتن بالأدب الواقعى ومحاكاة الطبيعة فى البساطة التى تفيض على أحداثها ثم فتن بالعنف كذلك ومحاكاة النفس البشرية فى فورانها وانفعالاتها .. الكتاب فى مصر والشرق قد اصطلحوا منذ عهد بعيد على أن يبدأوا كتاباتهم " بسم الله الرحمن الرحيم " وخلو الكتاب من هذه السنة الطيبة يحملنا على سوء الظن بالمؤلف وإن كان فى قصته " الأعمى " يدافع عن التشريع الإسلامى فى الجريمة الجنسية دفاعًا فنيا مجيدًا .

وأخيرا نرجو للمؤلف والشبان الذين يكتبون فن القصة بمثل توفيقه نجاحًا وذيوعًا ورقيا مطردًا .

* * *

وكتبت مجلة المصور فى 12/6/1936 :
"أصدرت مكتبة الجيب كتابها الثانى " رجل " وهو مجموعة من القصص المصرية كتبها الأديب محمود البدوى بأسلوب تحليلى رشيق ، واستقى موضوعاتها من صميم الحياة ، فصور الحب والبغض والصفاء والغيرة والسعادة والشقاء تصويرا حسنا ، ولا شك أن هذا الكتاب يعتبر خطوة موفقه فى عالم القصة المصرية .

* * *

وكتب الأديب محمد شوكت التونى المحامى فى جريدة المقطم 23 يونيه 1936 وقال عن هذين الكتابين :
" باكورتان مباركتان انبثق عنهما ربيع الشباب عن عمر هذا المؤلف الأديب ، وثمرتان طيبتان هما القطف الأول من جنى دراسته فى الكتب والحياة ..

لو أنه كان من ذوى الجاه المادى الكبير أو من أصحاب المناصب الحكومية العالية ، أو من ذوى النفوذ فى دور الصحف ووجد من يحرق البخور بين يديه ويغرس له أوراق الورد بين أنهر الصحف والمجلات ويطلق له أناشيد المديح وأهازيج الثناء لكان لكتابيه اليوم شأن أى شأن .

ولكنه شاب مغمور هادئ ينتج كى يرضى رغبته الفنية سواء صاح حوله الصائحون أم أحس بأنه يعمل فى وسط قبور يخيم عليها جلال الصمت ووحشة السكون .

" محمود البدوى كمؤلف يعتبر ظاهرة نفسية تستحق الدراسة فقد خرج من وسط أغرم أفراده بالكتابه القصصية ، فمنذ ثلاثين عاما أخرج شاب اسمه إسماعيل عبد المنعم هو اليوم كهل أو شيخ منزو فى إحدى وظائف وزارة المعارف ــ عدة كتب قصصية كان لها دوى وكان لبعضها فضل السبق فى مضمارها ، فقد لخص شكسبير وكان أول من فعل فى كتاب سماه " على مسرح التمثيل " ولخص موليير وألف قصصا مصرية منها " على سفح الجبل " و" عقد اللآلئ " وغيرهما ، وهذا الشاب منذ ثلاثين عاما هو خال الشاب المؤلف الحديث ، كما أن له خالاً آخر اتخذ المحاماة وتفرغ لها وانزوى عن الاشتغال بالأدب جهرا وإن كان يتعاطاه كمدمن الرحيق سرا ، كان له شغف بالأدب القصصى منذ أكثر من عشرة أعوام ، أخرج فيها عددًا كبيرا من القصص المصرية ، ومنها كتاب سماه " فى ظلال الدموع " وروايات مسرحية أخرى .

وله أقارب آخرون كل ميلهم منصب على الأدب القصصى ، ومع أن " البدوى " لم ينشأ بينهم نشأة جوار ومخالطة ، فقد نما النبت فى أعماقه دون وعى منه واشتعلت الجمرة واتقد لهيبها دون أن يوقدها بإرادته .

وتلك ظاهرة إن دلت على شىء فإنما تدل على أن هذا الوسط قصصى بطبيعته ، يرسل القصة وحى فنه الغريزى وسجية نفسه وفيض خياله لا يتعملها ولا يتصنعها .

هذا الطراز من الكتابة جديد فى مصر ، ولقد أراد بعض الكتاب المصريين الذين لم ينضج فيهم الذوق الفنى ولم يسعفهم الإلهام المواتى أن يقلدوا بعض هؤلاء الكتاب فشطوا وسيطرت عليهم العواطف المكبوتة وبرزت غريزتهم الجنسية فجاءت كتاباتهم عبارة عن تحريض وإثارة للغريزة الجنسية ، وسموا هذا النوع من الكتابة " أدبا مكشوفا " فكان جهلا مكشوفا .

أما الإنتاج الجديد الذى نحن بصدده وهو أدب القصصى الناشئ محمود البدوى فأدب تحليلى سام فى فنه ، عال فى خياله ، مهذب اللفظ ، مغطى المعنى بطبقات من الذوق .

أما قصته الثالثة " الأعمى " فقطعة بديعة جدا من الأدب لو أنها ترجمت إلى الأدب الروسى لحسبته من روائع إنتاج " تشيكوف " .

" فإنى أنصح الأديب البدوى بكثرة الإنتاج ومراسلة الصحف حتى يسخو تعبيره وتصقل عبارته ، ولو أن ذلك لا يمنع كون أسلوبه من أرقى الأساليب العربية فى إنتاج الشباب "

* * *

وكتبت مجلة الهلال فى عددها الصادر فى الأول من يولية 1936 :
" صاحب هذين الكتابين له ولع كبير بالقصة دفعه إلى إصدار هاتين القصتين .

والقصة الأولى " الرحيل " وصف حياة شاب عاشق بأسلوب مؤثر ، أما القصة الثانية أو الكتاب الثانى " رجل " فهو يحوى أربع قصص صغيرة ، الأولى قصة " رجل " التى اختار أن يعنون الكتاب باسمها ، والثانية " النجم البعيد " والثالثة " الأعمى " والرابعة " فى الظلام " .

وقد أجاد المؤلف فى تأليف هذه القصص ، ووفق فى محاولاته الأولية ، ونال من النجاح فى بدايته ما يبشر بأنه إذا استمر على العناية بهذا الفن فسوف يصل إلى درجة مرفوعة من الإجادة والإبداع .

* * *

وكتب محمد على غريب فى مجلة الرسالة 6/7/1936 :
" القصة المصرية عندنا ما تزال فى مهدها اليوم ، وأكبر الظن أنها سوف تبقى فى لفافات الطفولة إلى مدى طويل ، وأن يفقد الأدب العربى عندنا هذه الثروة الضخمة التى انحصرت فى القصة ومنحت الآداب الغربية ما لها اليوم من تفوق ونجاح " .

" لست أثنى على صديقى لأن بينى وبينه هذه الصلة ، فإن من الخير لى وله أن أجاهره بالرأى الصريح ولو كان فيه ما يؤلمه ، فإننى أعرف فيه حسن تقبله للنقد ، ولم تصلح الصداقة يوما ما رشوة بين صديقين يحب كلاهما صاحبه ويخلص له ، فالواقع أن هذين الكتابين اللذين أخرجهما الأستاذ البدوى لقراء العربية من خير المحاولات المفيدة الناجحة فى سبيل بعث القصة المصرية ووجودها ".

واستطرد غريب قائلا عن رواية " الرحيل " :
إنه يرسم صورة من نفسه ، ونفسه ترسف فى أغلال قوية وتحاول الخروج منها ، فإذا عجزت عن المحاولة ترنمت بالإيمان ، وإذا نجحت فى التنفيس عن كرباتها فرحت بهذه الأضواء الباهرة التى يجد فيها حياته كلها وجميع أمانيه " .
ويقول عن قصة " الأعمى " :
" إنها صورة صادقة من أبلغ ما كتب الأدباء المصريون ، وقد امتزج فيها الفن بالواقع ، فترى أمامك مزيجا منها يلزمك أن تعاود قراءتها " .

* * *

وكتب عبد المعطى المسيرى فى جريدة السياسة الأسبوعية 20 يوليه 1936 :
" اختلفت آراء المستشرقين فى الأدب العربى الحديث كما اختلفت أحكام قادة الأدب وشيوخه على إنتاج الشباب ، فمن المستشرقين من يرى أن الأدب العربى لن تكون له مكانة بين الآداب الأخرى إلا إذا استقام له حظ وافر من الفن القصصى ".

" إن المطبعة تغمرنا بالكثير من القصص الركيك ، وأن تهريج الصحف قد شوه جمال نهضتنا الأدبية ولكنا بين الفترة والفترة نستخلص من هذه الوفرة قصة تنسينا الألم وتبعث فينا الرجاء والأمل .

بعد هذه المقدمة نستطيع أن نمضى فى دراسة قصة " الأعمى " للأستاذ البدوى وقد اخترناها بالذات لإعجاب النقاد والقراء بها . يعيش قارئ هذه القصة فى جو خاص هيأه المؤلف فحشد له تجاريبه فجاء محكم التمثيل متماسك الأطراف تصافحه الأطياف ، كأن المؤلف يعنيه بالذات ، فهذه آلامه وآماله وتلك مطامحه وغاياته " .

" إن غاية ما أعبر به عن هذه القصة أنها نموذج للقصة المصرية الحديثة ، إنها القصة المثالية التى يجب أن يطالعها بإمعان كل من تحدثه نفسه بكتابة القصة ، كما أن صاحبها قدوة للشباب الطامحين " .

* * *

وكتب أ . ع . أ . ى فى الصاعقة الأسبوعية 8/8/1936 :
"لا غرو فالأستاذ البدوى جدير بأن يكون مبتدعًا ومجددًا فى فن القصة ، فلقد قرأنا للأستاذ كتابه " الرحيل " الذى كان من خير ما أنتج الشباب فى ميدان الثقافة والأدب .

وسوف يراه الأدباء وعشاق القصة فى كتابه "رجل" أديبا بارعا" وقصصيا قديرا على أن يخلع على القصة نسجا من الجمال وقوة من البراعة ، فلا تكاد تنتهى من قراءة إحدى قصصه حتى تشعر بميل شديد وقوة نزاعة إلى مراجعتها مرة ومرات .

فنهنئ المؤلف على هذا المجهود المشكور ، ونتمنى له النجاح المطرد فى ميادين الثقافة والأدب ".

* * *

وكتب على كامل بمجلة الجامعة 23/7/1937 :
" لا ريب أن الفترة التى تعبرها مصر فى معتركها الأدبى الحالى على أعظم جانب من الأهمية والخطورة ، وهى لذلك أجدر من غيرها وأحق بالانتباه والتيقظ ، فنحن الآن نتجه تدريجيا نحو خلق أدبى قومى صميم بعد أن مكثنا عشرات السنين فى الترجمة والنقل . وهذا الأدب القومى الجديد الذى تحتل القصة الصف الأول منه لا يعتمد على ماض وتراث سابقين "

" إن القارئ يشعر خلال السطور بشخصية المؤلف بارزة جلية ، وهى الصفة الأولى التى يجب أن يمتاز بها العمل الفنى سواء أكان قصصا أو شعرا أو موسيقى أو تصويرا أو غير ذلك ، كذلك كان المؤلف فى كتابيه دقيق التعبير ، بارع الوصف . ففى قصة " الرحيل " مثلا نراه يصف لنا إحساسات الشاب محمود وهو إلى جانب الفتاة التى أحبها ، فيجيد الوصف راسما العواطف المتضاربة التى تتنازع كلا من الفتى والفتاة بطريقه أرى أنه وفق فيها كثيرا .

وفى قصة " الأعمى " من كتابه الثانى " رجل " تراه يصف لنا شخصية الأعمى بطريقة تطغى فيها النزعة العلمية الحديثة فى معالجة القصة فى أوربا ، وهو ما يبشر المؤلف بمستقبل قصصى قد يحسد عليه إذا عرفنا أن هذه المميزات قد حصل عليها فى أول أعماله الأدبية " .

* * *

وسأكتفى بهذا القدر مما نشرته الصحف والمجلات عن رواية الرحيل ، والمجموعة القصصية رجل فى الثلاثينات من القرن العشرين ، وهدفى من وراء السرد السابق أن أبين مدى ما كانت عليه العناية الجدية بالنقد والتشجيع على جميع المستويات للثقافة والأدب ، وما لاقته أعمال البدوى الأدبية الأولى من احتفاء وتكريم .
================================

ليست هناك تعليقات: